المنتدى الاقتصادي : الأردن يمتلك مقومات تؤهله للتحول لمركز إقليمي داعم للتجارة
أكدت ورقة سياسات صادرة عن المنتدى الاقتصادي الأردني أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم منذ عام 2023، خاصة في الممرات البحرية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، أعادت رسم خريطة التجارة الدولية.
وقالت ان التحولات فتحت نافذة استراتيجية أمام الأردن لتعزيز تموضعه كمركز داعم لحركة التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، ومنفذه البحري في العقبة، وشبكة ارتباطاته البرية مع الأسواق الإقليمية.
وبحسب الورقة التي جاءت بعنوان "تموضع الأردن كمركز داعم لحركة التجارة والخدمات.. الفرص والتحديات في ظل التحولات الجيوسياسية"، فإن العالم يشهد مرحلة إعادة تشكيل واسعة لسلاسل الإمداد والتجارة الدولية نتيجة تصاعد المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية، ما دفع العديد من الدول والشركات إلى البحث عن مسارات أكثر مرونة وأمانًا، وإعادة توزيع مراكز النشاط اللوجستي والتجاري عالميًا.
وأشارت الورقة التي أعلن عنها المنتدى اليوم إلى أن اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 أثرت بصورة مباشرة على حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي تمر عبره ما بين 10 إلى 12 بالمئة من التجارة البحرية الدولية، ما دفع العديد من شركات الشحن العالمية إلى إعادة توجيه مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كلف الشحن وإطالة مدد النقل وزيادة الضغوط على سلاسل التوريد العالمية، كما تصاعدت في مطلع عام 2026 المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة ربع تجارة النفط البحرية عالميًا، ما عزز المخاوف الدولية بشأن هشاشة التجارة العالمية أمام أي اضطرابات جيوسياسية.
وبينت الورقة أن التقديرات الأولية لحجم التجارة العالمية في السلع والخدمات بلغ خلال عام 2025 نحو 35 تريليون دولار مقارنة مع 32.5 تريليون دولار في عام 2024، بنمو بلغ نحو 7.5 بالمئة، فيما استحوذت تجارة السلع وحدها على أكثر من 26 تريليون دولار، في وقت ما يزال النقل البحري يشكل العمود الفقري لحركة التجارة العالمية، إذ ينقل أكثر من 80 بالمئة من حجم التجارة الدولية سنويًا.
وأكدت الورقة أن هذه التطورات دفعت الاقتصاد العالمي إلى تبني مفاهيم جديدة في سلاسل التوريد، أبرزها "Friendshoring" القائم على توجيه التجارة والاستثمارات نحو شركاء أكثر استقرارًا سياسيًا، إلى جانب "Nearshoring" المرتبط بتقريب مواقع الإنتاج وسلاسل الإمداد من الأسواق القريبة جغرافيًا، وهو ما يفتح المجال أمام دول مثل الأردن للاستفادة من إعادة توزيع النشاط اللوجستي عالميًا.
وفي هذا الإطار، اعتبرت الورقة أن الأردن يمتلك مقومات حقيقية تؤهله للتحول إلى مركز إقليمي داعم للتجارة والخدمات اللوجستية، استنادًا إلى موقعه الرابط بين الخليج وبلاد الشام، وامتلاكه منفذًا بحريًا استراتيجيًا عبر ميناء العقبة، إضافة إلى استقراره السياسي والأمني مقارنة بالعديد من دول المنطقة.
وأشارت إلى أن مؤشرات التجارة الخارجية الأردنية سجلت نموًا ملحوظًا خلال الفترة بين 2023 و2025، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بنحو 20 بالمئة ليصل إلى حوالي 32.5 مليار دينار في عام 2025 مقارنة مع 27.2 مليار دينار في عام 2023، فيما بلغ حجم التبادل التجاري خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 4.7 مليار دينار، ما يعكس استمرار زخم التجارة الخارجية في الاقتصاد الوطني.
وأوضحت الورقة أن التجارة الأردنية ترتبط بشبكة واسعة من الشركاء التجاريين الإقليميين والدوليين، خاصة الأسواق الآسيوية والعربية والأمريكية، في حين تتركز الصادرات الأردنية في الأسمدة والمنتجات الكيماوية والأدوية والملابس، مقابل اعتماد المستوردات على السلع الاستهلاكية، والمشتقات النفطية، والآلات، والمعدات.
كما سلطت الورقة الضوء على التحول اللافت الذي شهده ميناء العقبة خلال الربع الأول من عام 2026، حيث ارتفعت حركة حاويات الترانزيت بنسبة 137 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ما يعكس تنامي دور العقبة كمحور إقليمي لإعادة التوزيع نتيجة إعادة توجيه مسارات التجارة العالمية بعيدًا عن الممرات مرتفعة المخاطر.
وأكدت الورقة أن مشاريع السكك الحديدية الوطنية والإقليمية تمثل أحد أهم المرتكزات لإعادة تموضع الأردن ضمن الممرات التجارية الجديدة، وعلى رأسها مشروع سكة حديد العقبة – مراكز التعدين، الذي يهدف إلى ربط مناجم الفوسفات ومصانع البوتاس بالميناء الصناعي في العقبة بطول يقارب 360 كيلومترًا، وبقدرة استيعابية تصل إلى 16 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، ما سيسهم في خفض كلف النقل وتعزيز تنافسية صادرات التعدين الأردنية.
كما تناولت الورقة مشروع الربط السككي الإقليمي بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا، والذي يستهدف إنشاء ممر بري يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وأوروبا عبر الأردن، بما يتيح إيجاد بدائل أكثر مرونة للمسارات البحرية التقليدية، ويعزز مكانة المملكة كمحور لوجستي إقليمي.
وأشارت إلى أن نجاح هذا المشروع قد يخلق ممرًا تجاريًا منافسا بحلول عام 2030، خاصة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية.
وفي موازاة ذلك، أكدت الورقة أن قطاع النقل البري سيبقى عنصرا محوريا ضمن منظومة النقل الإقليمية، باعتباره الحلقة التي تربط بين الموانئ والمراكز اللوجستية والأسواق المحلية والمعابر الحدودية، بما يعزز كفاءة النقل متعدد الوسائط ومرونته.
وقدمت الورقة مجموعة واسعة من التوصيات لتعزيز جاهزية الأردن للاستفادة من التحولات الجارية في الممرات التجارية، أبرزها تسريع تنفيذ مشاريع الربط السككي، وتطوير الموانئ الجافة والمراكز اللوجستية، وتحسين كفاءة الإجراءات الجمركية، وتعزيز التكامل بين النقل البحري والبري والسككي، إضافة إلى تطوير الكفاءات الوطنية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وخلصت الورقة إلى أن التحولات الحالية في التجارة العالمية تمثل فرصة استراتيجية نادرة أمام الأردن لإعادة التموضع كمركز داعم لحركة التجارة والخدمات في المنطقة، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة يتطلب تسريع تنفيذ مشاريع النقل والربط اللوجستي، ورفع جاهزية البيئة الاستثمارية والتنظيمية، وتطوير منظومة لوجستية متكاملة قائمة على الكفاءة والمرونة والتكامل الإقليمي.
--(بترا)