م. زيد خالد المعايطة : هل أصبحت الشهرة مؤشر كافي للمصداقية
بين الكثير من الأسر اليوم، لم تعد القرارات المهمة تبدأ بسؤال شخص مقرب موضع ثقة أو الاستماع لتجربة نعرفها، بل تتم أحياناً من خلال فتح إنستغرام أو تيك توك، فدقائق قليلة من تصفح الفيديوهات اللامعة والتعليقات المليئة بالإعجاب قد تكفي لتكوين شعور بالثقة تجاه شخص لم نتحقق فعلياً من خبرته أو مؤهلاته، سواء كان طبيباً أو مدرباً أو شخصية تقدم نفسها كمرجع في قضايا مختلفة، فالثقة التي كانت تُبنى عبر الزمن والتجربة أصبحت اليوم تتشكل بسرعة من خلال التكرار والحضور المستمر على الشاشات.
وهذا التحول لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، فقد بدا واضحاً في النقاشات الأخيرة التي صدمت المجتمع بعد انكشاف ممارسات خطيرة ارتبطت بشخصيات بنت تأثيراً واسعاً عبر مواقع التواصل، وهي أحداث أعادت طرح أسئلة مقلقة حول الطريقة التي يمنح بها الناس ثقتهم في العصر الرقمي، فالمسألة لا تقف عند شخص واحد أو حادثة معزولة، بل تكشف عن تغير أوسع في مفهوم المصداقية، خصوصاً بين الأجيال الشابة التي نشأت في بيئة أصبح فيها الانتشار والشهرة جزءاً من صناعة الثقة.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الظاهرة من خلال ما يعرف في علم السلوك بـ "تأثير الهالة”، وهي حالة يميل فيها الإنسان إلى الربط بين الصفات الإيجابية الظاهرة وبين الكفاءة الحقيقية، فعندما يقدم شخص نفسه ضمن صورة رقمية أنيقة ويحيطها بمظاهر النجاح والإعجاب الجماهيري، يبدأ العقل تلقائياً بمنحه صفات أخرى مثل المصداقية والخبرة حتى دون دليل حقيقي، ومع الوقت تتحول أعداد المتابعين والمشاهدات والفيديوهات المصقولة إلى إشارات نفسية تمنح شعوراً زائفاً بالأمان والثقة.
ومع اتساع حضور مواقع التواصل في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد هذا التأثير مقتصراً على المشاهير أو صناع المحتوى، بل امتد إلى مجالات أكثر حساسية مثل الطب والعلاج والتدريب والاستشارات، فأصبح كثير من الناس يتعرفون على الأطباء والخبراء عبر الشاشة قبل أي تعامل واقعي معهم، وبما أن المنصات الرقمية تقوم على التكرار المستمر، فإن الوجوه ذاتها تستمر بالظهور حتى تصبح مألوفة، ومع الألفة يتراجع الميل للتشكيك أو التحقق.
وهنا لا نتحدث فقط عن طريقة استخدام التكنولوجيا، بل عن تغير أعمق في شكل الثقة داخل المجتمع، فالمجتمع الأردني اعتمد طويلاً على السمعة المباشرة والتوصيات الشخصية في بناء المصداقية، أما اليوم فقد انتقل جزء كبير من هذه العملية إلى فضاء رقمي سريع الإيقاع، تُصنع فيه الانطباعات خلال ثوانٍ، وتصبح الصورة الرقمية المصنوعة بعناية قادرة أحياناً على التفوق على سنوات طويلة من الخبرة الحقيقية.
ومع استمرار هذا النمط، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للتضليل والتلاعب بالمعلومات، فالمشكلة لا تكمن فقط في صعود أشخاص غير مؤهلين، بل في أن التمييز بين الخبرة الحقيقية والاستعراض أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وعندما يتحول المظهر إلى مصدر أساسي للإقناع، تبدأ الثقة العامة بالتآكل تدريجياً، ليس فقط تجاه الأفراد، بل تجاه المهن والمؤسسات أيضاً.
لذلك، فإن المؤسسات الرسمية والمهنية مطالبة اليوم بأن تكون أكثر حضوراً ووضوحاً في الفضاء الرقمي، فترك منصات التواصل بالكامل لمنطق الشهرة والخوارزميات يفتح المجال أمام تضخم التأثير غير المهني على حساب الخبرة الحقيقية، ولم يعد كافياً أن تمتلك المؤسسات المصداقية فقط، بل أصبح من الضروري تقديمها للناس بطريقة سهلة وواضحة وقريبة من الجمهور.
وفي النهاية، لا تعني مواجهة هذا الواقع رفض التكنولوجيا أو التخويف من مواقع التواصل، بل التعامل معها بوعي أكبر، فالشباب اليوم لا يحتاجون فقط إلى مهارات استخدام التكنولوجيا، بل إلى القدرة على التمييز بين الشهرة والكفاءة، وبين الحضور الرقمي والخبرة الحقيقية، لأن القدرة على التفريق بين التأثير والمصداقية قد تصبح من أهم المهارات التي يحتاجها المجتمع لحماية أفراده وثقته بنفسه.