الأخبار

د. ايهم العتوم : جامعة المغطس: جيوسياسية الوئام وإدارة المعتقد الإعلامي في عصر الفوضى الرقمية

د. ايهم العتوم : جامعة المغطس: جيوسياسية الوئام وإدارة المعتقد الإعلامي في عصر الفوضى الرقمية
أخبارنا :  

في مشهد جيوسياسي كفّت فيه موازين القوة عن الارتهان لحجم الاقتصادات أو الامتداد الجغرافي أو النفوذ العسكري, باتت الأمم تتنافس على "سلطة المعنى"؛ تلك القدرة الفائقة على هندسة التمثلات الجماعية، وإدارة السرديات العابرة للحدود، وتوجيه الإدراك العالمي.

ومن هذه الزاوية، يكتسب افتتاح "جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية" في الأردن بُعدا يتجاوز الإطار الأكاديمي المحلي، ليغدو مؤشرا على تحولات ترتبط بالقوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية وترسيخ حضوره الدولي عبر إرثه الحضاري.

فموقع "المغطس"، المعتمد مسيحيا كمكان لمعمودية السيد المسيح، لا يُختزل في حيز أثري أو مساحة دينية مغلقة، بل يمثل فضاء تتشابك فيه الروحانية بالتاريخ، والثقافة بالسياسة.

وفي هذا الإطار، يأتي افتتاح الجامعة برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني كمشروع استراتيجي يعيد إحياء القيمة الحضارية للموقع، ويحوله إلى منصة فاعلة تعزز الحضور العالمي للأردن.

إن أخطر ما يهدد الرموز الإنسانية اليوم هو التشويه والوقوع في فخ "الوباء المعلوماتي"، داخل بيئات اتصالية مضطربة تُعاد فيها صياغة الحقائق عبر خوارزميات المنصات الكبرى.

ولأن معارك عصر الذكاء الاصطناعي تتجاوز السيطرة على الأرض، فإن تأسيس هذا الصرح يمثل انتقالا ذكيا من "الحماية المادية للمكان" إلى "الإدارة الاستراتيجية للمحتوى الثقافي". إن السيادة المعاصرة لم تعد تحرسها الحدود، بل تحميها السرديات الموثوقة.

من هنا، تبرز "الدراية الإعلامية والمعلوماتية" كأداة سيادية لحماية الأمن الفكري والذاكرة الجماعية من التزييف الرقمي، لا سيما وأن التصورات العامة تتشكل اليوم بسرعة فائقة داخل البيئات الافتراضية.

وعليه، فإن إدارة "المعتقد الإعلامي" تتطلب فهما عميقا لآليات تشكّل الوعي العام، بالتوازي مع تمكين الشباب من أدوات التفكير النقدي كحائط صد في مواجهة التضليل المعرفي.

وفي الحالة الأردنية، تتجلى جامعة المغطس كامتداد طبيعي للسردية الحضارية للمملكة؛ تلك التي تأسست بنيتها التاريخية على رعاية التنوع وإدارة العيش المشترك كخيار استراتيجي وثابت بنيوي. فالأردن، برعايته الهاشمية، يعيد من خلال هذا الصرح تموّضعه كمركز إقليمي للدبلوماسية الروحية، مستندا إلى إرثه الذاتي كأرض للتلاقي وملاذ آمن للاعتدال.

هذا المشروع يطرح نفسه كاستجابة عقلانية وبناءة في مواجهة تآكل القواسم البشرية في الإقليم، ليغدو الاستثمار في هذه المؤسسة المعرفية محاولة سيادية جادة لإعادة إنتاج مساحات الوئام الإنساني.

ولا ينفصل هذا المسار عن التحولات الحديثة في مفهوم الترويج السياحي؛ إذ لم تعد السياحة الدينية مجرد استهلاك للمكان، بل تجربة إدراكية متكاملة تمنح الزائر حضورا مختلفا للزمن والذاكرة، وتتيح تقاطع التجربة الشخصية مع عراقة الجغرافيا، تجاوزا للاستهلاك البصري العابر.

ومن ثمّ، تتحول الجامعة إلى مركز لإنتاج محتوى يعيد تقديم الأردن كفضاء مفتوح للتلاقي الإنساني عبر العصور.

في المحصلة، تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الصرح في تقديم خطاب متزن يعيد ضبط العلاقة بين الإعلام والثقافة في زمن السيولة الرقمية.

فالدول الأكثر تأثيرا في المستقبل لن تكون الأكثر وفرة في الموارد، بل الأقدر على صون ذاكرتها الحضارية وإدارة حضورها الرمزي عالمياً.

تتجاوز جامعة المغطس دورها التعليمي لتتحول إلى نموذج أردني يوظف الإرث التاريخي في بناء حضور إنساني سيادي، قادر على الصمود في عصر تتنازع فيه الحقائق.

في هذا السياق، يتضح أن الانتقال من رمزية المكان إلى فضاء الفكرة لم يعد خيارا مجردا، بل ضرورة استراتيجية، تؤكد أن "سلطة المعنى" أصبحت أحد أهم محددات الحضور والاستمرار في المشهد العالمي المعاصر.

مواضيع قد تهمك