الأخبار

د. مهند صالح الطراونة : إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان .. قراءة في الدستور و النظام الداخلي للنواب

د. مهند صالح الطراونة : إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان .. قراءة في الدستور و النظام الداخلي للنواب
أخبارنا :  

تعتبر إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان المختصة من المراحل التمهيدية الإجرائية الهامة لإعداد التشريع التي تناولها النظام الداخلي لمجلس النواب بالتنظيم ، وذلك وفقا لنص المادة (83) من الدستور ، حيث نص على أن : " يضع كل من المجلسين أنظمة داخلية لضبط وتنظيم إجراءاته وتعرض هذه الأنظمة على الملك للتصديق" ، أي أن الدستور قد فوض النظام الداخلي للمجلس بوضع القواعد الخاصة بإجراءات المجلس ، منها الإجراءات الخاصة بإعداد التشريع .

ومن ثم نصت المادة (91) من الدستور على أن : " يعرض رئيس الوزراء مشروع كل قانون على مجلس النواب الذي له حق قبول المشروع أو تعديله أو رفضه وفـي جميع الحالات يرفع المشروع إلى مجلس الأعيان ولا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلسان وصدق عليه الملك." ويستفاد من ذلك أن النص الدستوري قد أرسى قاعدة مفادها أنه يتعين على رئيس الوزراء أن يعرض مشروع القانون أي قانون على مجلس النواب ، ومن ثم فإن للمجلس الحق في قبول المشروع ،او أو تعديله أو رفضه، وأنه يتعين على مجلس النواب في جميع الحالات القبول أو التعديل أو الرفض رفعه إلى مجلس الأعيان ، وبالرغم من ان النص لم يتضمن بشكل صريح حكم يلزم إحالة مشاريع القوانين إلى اللجنة المختصة في جميع الأحوال ، إلا أن ذلك لا يمكن ان يفسر ان الدستور لم يلزم إحالة مشاريع القوانين الى اللجان في جميع الاحوال ـ باعتبار ان النصوص الدستورية يجمعها وحدة تكامل عضوي تقرا بموجبها النصوص كوحدة واحدة متظافرتا وليس متنافرة ، ولما كان الدستور وفقا لنص المادة (83) قد فوض النظام الداخلي في وضع القواعد الخاصة بإجراءات المجلس ، منها الإجراءات الخاصة بإعداد التشريع ومنها الإجراءات الخاصة بالإحالة ، فإن كل ماورد في النظام الداخلي يعتبرمكملا للدستور وملزما ، ومن ثم فإن أي تجاوز عن هذا الإجراء يعتبر تجاوزا على روح الدستور وجوهره.

وبإستقراء أحكام النظام الداخلي للمجلس وجد أن نصوص المواد من (39) إلى (58) والتي تتضمن تعداد للإختصاصت المناطة للجان الدائمة وجميع هذه الإختصاصات في أساسها مواضيع محالة إليها من المجلس ، وقد كان للمجلس العالي لتفسير الدستور رقم (1) لسنة 2001 راي صريح في هذا الشان حيث قرر - قبل إنشاء المحكمة الدستورية – يتضمن أن للحكومة حق استرداد مشروع القانون حتى بعد إحالته إلى اللجنة المختصة. ويستفاد من ذلك ضمنًا أن الإحالة إلى اللجنة المختصة لم تعد مجرد إجراء شكلي بل مرحلة من مراحل العملية التشريعية.

كما يعتبر رأي اللجنة المختصة التي تبديه بشأن الاقتراحات بقانون من مراحل اقرارهذه الاقتراحات قبل إحالتها للحكومة في صيغة مشاريع قوانين ، وذلك وفقا لنص المادة (75/أ) من النظام الداخلي للمجلس ، حيث ينص على أن : " يجـــوز لعشـــرة أو أكثـــر مـــن أعضـــاء المجلـــس أن يقترحـــوا القوانيـــن ويحال كل اقتـــراح مرفقـــاً بالأســـباب الموجبـــة والمبـــادئ الاساسية على اللجنة المختصة في المجلس لإبداء الرأي ، فـــإذا رأى المجلـس بعـــد الاســـتماع لـــرأي اللجنـــة ، قبـــول الاقتـــراح أحالـه علـــى الحكومة لوضعـه فــي صيغــة مشــروع قانــون وتقديمــه للمجلــس فــي الدورة نفســـها أو فـــي الـدورة التـــي تليها "

وهنا يبرزدور اللجان في درسة الاقتراحات بقانون بعاتبارها مطبخ التشريع ، حيث يقع على عاتقها دراسة المباديء والاسس لفكرة الاقتراح من الناحية الدستورية والموضوعية والصياغية وتقديمها براي للمجلس.

ومن ذلك أيضا مانصت المادة (76/ ب ) من النظام الداخلي للمجلس ، والتي نصت على أن : " إذا كانـت هنـــاك أســـباب اضطراريـة تســـتدعي النظـــر فيـــه بصفـــة الاســـتعجال ، فيجـب علـــى الرئيـــس أن يضـــع ذلـــك الأمر فـــي الـرأي ، فإذا أقرته أقرتـــه الأكثريـــة يقرأ المشروع علناً ويناقش أو يحال إلى اللجنة المختصة بتلك الصفة ".

ويتضح بجلاء من النص سالف الذكر أن النظام الداخلي تناول بالتنظيم حالة الاستعجال ،حيث ألزم الرئيس أن يضع الامر في الراي ـ أي أن يطرح التصويت على صفة الاستعجال للمجلس – ومن ثم أبان نصاب التصويت وهي الاكثرية ، وفي هذه الحالة للرئيس بعد التصويت على صفة الاستعجال أن يختارخيارين الأول يقرأ المشروع علناً ويناقش ، أو يحال إلى اللجنة المختصة بتلك الصفة ، وهذا الاستثناء الوحيد الذي ورد في النظام الداخلي الذي يمنح في الرئيس بعد موافقة المجلس مناقشة علنا دون إحالته للجنة المختصة .
واستكمالا للبحث نعرض لنص المادة (77) من النظام الداخلي للمجلس الذي نص على أن : " يقـــرأ أي مشـــروع قانـــون علنـا فـــي المجلـــس ، إلا إذا راى المجلس الاكتفاء بتوزيعه المسبق على الاعضاء ، فــإذا رأى المجلــس أن هنــاك حاجــة لذلك القانــون يضــع الرئيــس فــي الــرأي أمــر إحالتـه علــى اللجنـة المختصـة، ما إذا قـرر المجلـس رفـــض القانـون فيحيله إلــى مجلـس الأعيـــان ".

ويستفاد من ذلك قاعدة مفادها أن الأصل هو عرض مشروع القانون على المجلس وقراءته علنًا، باعتبار أن العلانية تمثل ضمانة دستورية للعمل البرلماني، كما ان فيها تمكين لأعضاء المجلس من الإحاطة بمضمون المشروع قبل اتخاذ أي موقف بشأنه ، إلا النص عاد ومنح المجلس سلطة تقديرية في عبارة " فإذا رأى المجلس أن هناك حاجة لذلك يضع الرئيس في الرأي أمر إحالته على اللجنة المختصة" ، ومؤدى هذا الحكم أن الإحالة إلى اللجنة المختصة – وفق ظاهر النص – ليست مرحلة حتمية سابقة على مناقشة المشروع، وإنما ترتبط بتقدير المجلس لمدى الحاجة إلى الدراسة الفنية المتخصصة، ويبقى التساؤل الأبرز بين ظاهر النص ، وبين ماتم بيانه من أهمية الاحالة للجنة المختصة ، وأرى بهذا الشان أن التفسير الكامل للنص سالف الذكر لا يمكن عزله عن الإطار الدستوري العام الذي يحكم الوظيفة التشريعية ، وذلك باعتبار ان الاحالة للجان المختصة ليس إجراء شكلي بل إجراء ضمانه دستورية وغجراء جوهري للعملية التشريعية.

ومن نافلة القول وعلى سبيل القضاء الدستوري المقارن إن من الاحكام لأحكام المهمة التي استند إليها الفقه الدستوري في اعتبار عرض مشروعات القوانين على اللجان المختصة من الضمانات الأساسية للعملية التشريعية ، ومن الإجراءات الهامة لاتمام العملية التشريعة وكمال دستوريتها هو حكم المحكمة الدستورية العليا في جمهورية مصر العربية الذي ذهب إلى " أن التحقق من استيفاء النصوص القانونية لأوضاعها الشكلية يعتبر أمرا سابقا بالضرورة على الخوض في عيوبها الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص القانونية هي من مقوماتها، لا تقوم إلا بها ولا يكتمل بنيانها أصلا في غيابها، وبالتالي تفقد بتخلفها وجودها كقاعدة قانونية تتوافر لها خاصية الإلزام.
وعليه أن الربط الذي أقامه النص بين عدم الإحالة وبين إمكانية الرفض المباشر للمشروع يدل على أن الغاية التي يرنو إليه المشرع هي تمكين المجلس من استبعاد المشاريع التي يرى بصورة أولية عدم جدواها أو عدم الحاجة إليها، أما المشاريع التي تستمر في المسار التشريعي الطبيعي، فإن مقتضيات الدستور و العمل البرلماني السليم تقتضي إحالتها إلى اللجنة المختصة باعتبارها مرحلة لازمة لإعداد المشروع للمناقشة الموضوعية.

وخلاصة القول أن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان المختصة لا تعد مجرد إجراء تنظيمي شكلي، بل تمثل ضمانة جوهرية مرتبطة بمبدأ الديمقراطية النيابية وحسن التشريع، الأمر الذي يجعل تجاوزها في المشاريع التي تستمر في المسار التشريعي مثار شبهة دستورية إجرائية، متى أدى ذلك إلى الإخلال بمتطلبات الدراسة الفنية والمناقشة البرلمانية السليمة.

مواضيع قد تهمك