الأخبار

حجازي البخري المحاميد : بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة: قراءة في الجدل حول الأغنية الشعبية

حجازي البخري المحاميد : بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة: قراءة في الجدل حول الأغنية الشعبية
أخبارنا :  

في الآونة الأخيرة، أثار استخدام بعض المفردات من اللهجة المحلية في مناطق الكرك والطفيلة ضمن أعمال الفنان عمر العبدلات حالة من الجدل والاستياء لدى شريحة من أبناء الجنوب. هذا الجدل يفتح بابًا أوسع للنقاش حول حدود استخدام اللهجات المحلية في الفن، ودور الفنان في مراعاة الذوق العام، خاصة حين يتعلق الأمر بإرث ثقافي حساس ومتجذر.

لا شك أن اللهجات المحلية كانت ولا تزال جزءًا أصيلًا من جماليات الشعر العربي، خصوصًا في مجالي الغزل والحماسة، حيث برزت بقوة في التعبير عن المشاعر والهوية والانتماء. وقد شكّلت هذه اللهجات الرصينة مصدر فخر، لما تحمله من عمق ثقافي وصدق تعبيري. إلا أن الإشكالية لا تكمن في استخدام اللهجة بحد ذاته، بل في كيفية توظيفها، وانتقاء مفرداتها، ومدى انسجامها مع الذوق العام والقيم المجتمعية.

الفنان، بحكم تأثيره الواسع، لا يُعد مجرد مؤدٍ، بل هو حامل رسالة، وصانع وعي، ومساهم في تشكيل الذوق العام. ومن هنا، فإن مسؤوليته تتجاوز حدود الأداء الفني إلى التدقيق في الكلمات التي يقدمها، واستشعار أثرها على الجمهور. فالكلمة، كما يُقال، مثل الرصاصة؛ إذا خرجت لا تعود، وقد تُصيب أو تُسيء، تبني أو تهدم.

إن طرح أعمال فنية دون مراجعة أو تمحيص قد يفتح المجال لانحدار المحتوى، ويؤدي إلى فوضى فنية تشبه ما يُنتقد في بعض الأنماط الغنائية المعاصرة، حيث يغيب المعنى وتُستبدل الرسالة بالضجيج. وهذا ما لا يليق بالمشهد الثقافي الأردني، المعروف برصانته وارتباطه العميق بالتراث.

من هنا، تبرز أهمية وجود أطر تنظيمية واستشارية، مثل وزارة الثقافة، وهيئة الإعلام، إلى جانب المختصين في التراث الشعبي، لمراجعة وتقييم المحتوى الفني قبل طرحه. ليس من باب تقييد حرية الإبداع، بل لضمان أن يكون هذا الإبداع مسؤولًا، ويحترم القيم، ويعزز الهوية، ويضيف قيمة حقيقية للمجتمع.

لسنا بحاجة إلى كلمات لا تقدم مضمونًا إيجابيًا، ولا تليق بتاريخنا الثقافي. بل نحتاج إلى فن يرتقي بالذوق، ويُعبّر بصدق، ويحافظ على أصالة الكلمة وجمالها. فالفن، في نهاية المطاف، ليس فقط وسيلة ترفيه، بل أداة تأثير، ومسؤولية لا يجب الاستهانة بها.

مواضيع قد تهمك