د. صالح سليم الحموري : الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية
- الإثنين-2026-04-20 | 06:50 am
أخبارنا :
في عام 2024، كتبتُ عن حلمٍ بدا حينها طموحًا… إنشاء "كلية الحسين بن
عبدالله للإدارة الحكومية”، كمؤسسة تُعيد تعريف كيفية إعداد القيادات في
القطاع العام، وتستمد روحها من تجارب عالمية مثل سنغافورة وهارفارد، لكنها
تُصاغ بوعي أردني، واحتياج وطني.
لم يكن ذلك الطرح ترفًا فكريًا، بل قراءة استشرافية مبكرة لتحوّل قادم.
واليوم، ونحن نشهد إطلاق "الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية"، يبدو أن الفكرة لم تكن بعيدة… بل كانت في طريقها إلى التشكّل.
لكن الفرق بين "الفكرة” و”المؤسسة” ليس في الاسم، بل في العمق.
فأي دولة يمكنها أن تُنشئ مركز تدريب،
لكن قلة من الدول تستطيع أن تبني "منظومة تُعيد تشكيل القيادات”.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام امتدادٍ طبيعي لذلك الحلم… أم أمام نسخة مُخففة منه؟
في
جوهرها، تمثل الأكاديمية خطوة استراتيجية لإعادة بناء القدرات الحكومية،
تستهدف تأهيل القيادات، ورفع كفاءة الجهاز الحكومي، ومواكبة التحول الرقمي
والذكاء الاصطناعي.
وهذا بحد ذاته انتقال مهم… من التدريب "كوظيفة إدارية"، إلى التدريب كأداة "سيادية لإصلاح الدولة".
لكن التجارب العالمية تعلمنا أن المؤسسات لا تُقاس بما تُعلنه، بل بما تُغيّره.
فـ
"كلية لي كوان يو” في سنغافورة لم تنجح لأنها تقدم برامج تعليمية فقط، بل
لأنها جزء من منظومة تصنع القرار، وتربط المعرفة بالسياسة، والتعلّم
بالفعل، والفكرة بالتطبيق.
وهنا تحديدًا، يظهر التحدي أمام الأكاديمية: هل ستكون منصة تعليم… أم منصة تأثير؟
لأن القائد الحكومي اليوم لا يحتاج إلى معرفة إضافية، بقدر ما يحتاج إلى أدوات ومهارات مختلفة:
قدرة على التعامل مع التعقيد، في عالمٍ يتسم بالتقلب والغموض (VUCA)،
فهم عميق للسياق،
حس أخلاقي في اتخاذ القرار،
وشجاعة في كسر النمط.
وهذا كله لا يُبنى بمحاضرة… بل بتجربة.
من
هنا، فإن مستقبل "التعليم التنفيذي" للقيادات يجب أن يتحرر من شكله
التقليدي. لم يعد مقبولًا أن يُختزل في دورات طويلة، منفصلة عن الواقع، أو
في محتوى لا يعكس التحديات اليومية.
البرامج الذكية اليوم هي تلك التي:
تُصمَّم لكل قائد بشكل مختلف،
تحاكي الواقع عبر التجربة والمحاكاة،
وترتبط مباشرة بمشاريع إصلاح حقيقية داخل المؤسسات.
بل
وأكثر من ذلك، فإن احترام وقت القائد لم يعد تفصيلًا، بل معيارًا حقيقيًا
لجودة التعليم. فبرامج تتراوح بين 60 إلى 120 ساعة — مكثفة، عملية، ومبنية
على منهجيات تعلم وتدريب حديثة تحاكي حكومات المستقبل — قادرة على إحداث
أثر يتجاوز ما تحققه أشهر من التدريب النظري.
لكن، وربما هذه هي
العقدة الأساسية، لا يمكن لأي مؤسسة تعليمية — مهما بلغت جودتها — أن تُحدث
تحولًا حقيقيًا إذا بقيت معزولة عن "نظام الحوافز” داخل الدولة.
إذا لم تُربط مخرجات الأكاديمية بالترقية،
وإذا لم تُصبح برامجها شرطًا للمواقع القيادية،
وإذا لم تُقاس نتائجها بتحسن الأداء الحكومي لا بعدد الشهادات…
فإنها ستبقى في الهامش.
أما إذا تحقّق هذا الربط، فإننا لا نتحدث عن أكاديمية…
بل عن إعادة هندسة للعقل الحكومي.
في رؤيتي عام 2024، كانت "الكلية” مشروعًا للمستقبل.
واليوم، "الأكاديمية” هي بداية هذا المستقبل.
لكن الطريق ما زال طويلًا.
الرهان ليس على إنشاء مبنى، ولا على إطلاق برامج،
بل على القدرة على تغيير "قواعد اللعبة”
أن ننتقل من إدارة تعتمد الأشخاص… إلى إدارة تُبنى على الكفاءة.
من قرارات تُصنع بالحدس… إلى قرارات تُبنى على المعرفة.
من جهاز حكومي يُدير الحاضر… إلى قيادة تستشرف المستقبل.
في النهاية، الدول لا تتقدم بسرعة قراراتها…
بل بسرعة من يتخذ هذه القرارات.
والأكاديمية، إن كُتب لها أن تنجح كما ينبغي، لن تكون مجرد مؤسسة تعليمية… بل ستكون مصنعًا لصنّاع القرار.
وهنا فقط… تتحول الفكرة من طموحٍ نظري، إلى قدرةٍ حقيقية تُعزّز جاهزية الحكومة للمستقبل.