د. ميشلين ظاهر نويصر : الانتماء
الأردن بلد الحضارة والرسالة الإنسانية منذ أكثر من 12 ألف عام، أرضٌ عريقة شهدت تعاقب الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ، فكانت مسرحًا لتلاقي الثقافات، ومنارةً للقيم التي تقوم على التسامح والعدل والكرامة الإنسانية. ومن هذه الجذور العميقة ينبثق العلم الأردني رمزًا وطنيًا خالدًا، يجسد هوية الدولة، ويعبر عن عمقها التاريخي، ويختصر في ألوانه مسيرة أمة صنعت مجدها بإرادتها، وبنت حاضرها بعزيمتها.
إن العلم الأردني ليس مجرد راية ترفرف في السماء، بل هو امتداد لراية الثورة العربية الكبرى، تلك الثورة التي شكلت نقطة تحول في تاريخ العرب الحديث، وكانت أول ثورة عربية تحررية قامت ضد الظلم والاستبداد، وسعت إلى نيل الحرية والاستقلال وبناء مستقبل يقوم على الكرامة والسيادة. وقد ارتبط هذا العلم بتضحيات عظيمة قدمها الأجداد دفاعًا عن قيم الحرية والعدالة، فغدا رمزًا للوحدة والنهضة والكرامة العربية، وذاكرة وطنية لا تنفصل عن وجدان الأمة.
إن استمرار الأردن في حمل هذه الراية عبر العقود لم يكن محض صدفة، بل هو تأكيد على أنه الوريث الحقيقي لمبادئ الثورة العربية الكبرى. فقد حمل الأمانة التاريخية بوعي ومسؤولية، وحافظ على رسالتها، وسار على نهجها بثبات في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة. بقي الأردن وفياً لتلك المبادئ، متمسكًا بقيم العدالة والحرية وصون الكرامة الإنسانية، ليشكل نموذجًا للدولة التي تجمع بين الأصالة والتطور، وبين الثبات على المبادئ ومواكبة العصر.
وقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني هذا النهج في العديد من المناسبات الوطنية، حيث قال: "الإنسان أغلى ما نملك"، وهي عبارة تختصر فلسفة الدولة الأردنية في بناء الإنسان باعتباره أساس التنمية وغايتها، وتؤكد أن قوة الأردن تنبع من قوة مواطنيه، ومن وعيهم وانتمائهم وإخلاصهم لهذا الوطن.
ورغم ما واجهه الأردن من تحديات إقليمية وضغوط اقتصادية وواقع جيوسياسي معقد، فقد استطاع أن يرسخ مكانته بين الدول المتقدمة من خلال إنجازات ملموسة في مختلف القطاعات. ويأتي قطاع التعليم في مقدمة هذه الإنجازات، إذ شهد تطورًا كبيرًا انعكس في انتشار المدارس والجامعات، وتخريج أجيال مؤهلة قادرة على المساهمة الفاعلة في بناء الوطن وخدمة المجتمعات.
ولم يقتصر أثر هذا التطور على الداخل الأردني، بل امتد إلى العديد من الدول العربية والأجنبية التي استفادت من الكفاءات الأردنية في مجالات الطب والهندسة والعلوم والإدارة والتكنولوجيا، مما عزز مكانة الأردن كدولة تصدر المعرفة والخبرة، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
كما برز الأردنيون في مختلف المحافل الدولية بوصفهم سفراء لوطنهم، يحملون العلم والمعرفة، ويعكسون صورة مشرقة عن الإنسان الأردني القادر على الإبداع والعطاء، رغم محدودية الموارد. وهذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا الاستثمار الجاد في التعليم، والإيمان بأن بناء الإنسان هو الطريق الأهم لبناء الدولة الحديثة.
يحتفل الأردن بيوم العلم الأردني في 16 نيسان/أبريل من كل عام، وهو مناسبة وطنية راسخة تُجسّد الاعتزاز بالراية الهاشمية، وتعزز قيم الولاء والانتماء، حيث تُرفع الأعلام الأردنية على البيوت والمؤسسات تحت شعار #علمنا_عالٍ، تخليدًا لرمزية العلم التاريخية المستمدة من الثورة العربية الكبرى، وتعزيزًا لقيمه الراسخة في الوجدان الوطني، وتجديدًا للعهد على مواصلة مسيرة البناء والنهضة، وصون مكتسبات الوطن في مختلف المجالات.
وفي هذا اليوم، تتجدد مشاعر الفخر والانتماء في نفوس الأردنيين، حيث يلتفون حول رايتهم التي تمثل وحدة الوطن وكرامته وتاريخه. إنها مناسبة وطنية تحمل في جوهرها معاني العهد والوفاء، وتجدد الالتزام بمواصلة مسيرة البناء والعطاء، وتعزيز القيم الوطنية في نفوس الأجيال القادمة، وترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية القائمة على الانتماء والعمل، وعلى الإخلاص للوطن والقيادة.
إن العلم الأردني سيبقى رمزًا للعزة والكرامة، وشاهدًا على مسيرة وطن لم يتوقف عن البناء رغم التحديات، بل ازداد قوةً وثباتًا بفضل وعي شعبه وحكمة قيادته الهاشمية. وسيظل خفاقًا في سماء الأردن، يحمل رسالة الأجداد، ويجسد طموحات الأجيال، ويؤكد أن هذا الوطن ماضٍ بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.
وفي الختام، فإن يوم العلم الأردني ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو محطة وطنية نستحضر فيها التاريخ ونستشرف المستقبل، ونؤكد من خلالها أن الأردن سيبقى كما كان دائمًا: أرض الحضارة، وموطن الرسالة، ورايةً لا تنكسر، ووطنًا يحتضن أبناءه ويمنحهم الأمل لصناعة غدٍ أفضل تحت ظل قيادته الهاشمية الحكيمة، وبإرادة شعبه الذي لا يعرف المستحيل.
ــ الراي