عزت جرادات : العالم العربي إلى إين!
* مما لا شك فيه «أن العالم العربي، اقطاراً وشعوباً وافراداً» قد مسَّهم الضُّرُّ بشكل أو آخر جراء سلسلة الحروب التي امتدت أكثر مما كان يتوقع الخبراء، سياسيون أو اقتصاديون أو عسكريون فألاف الضحايا الشهداء، والجرحى والمعاقين تكاد تطال مشاعر وأحاسيس كل فرد في هذا الوطن العربي الكبير.
* لقد أدرك المواطن العربي والشعوب العربية أنهم جميعا في نظام عالمي أصبحت فيه القيم والقوانين الدولية لا معنى لها أمام سطوة القوة والغطرسة العسكرية، ولم يتمكن العالم العربي خلال قرنٍ من الزمان إيجاد (دولة نموذج) تَبْني قوتها على أسس متينة من منظومة العلم بمختلف مجالاته، والبنى الديموقراطية ومقوماتها الأساسية في توفير الأمن والاستقرار وحقوق الأنسان والعدالة الاجتماعية، والمواطنة التي تدفع المواطن العربي للدفاع عن تلك المنظومة في مواجهة الأزمات والأعاصير وقليلة هي الأقطار التي استطاعت أن تحافظ على بيئتها الجغرافية والسياسية والاجتماعية.
* والسؤال الذي سيفرض نفسه على العالم العربي أنظمة وشعوباً، يتمحْورُ حول اتجاهات الدول والشعوب العربية وتوجهاتها نحو بناء علاقات جديدة مع الدول الكبرى أو الاتحادات القارية من جهة، وبناء مجتمعات جديدة تقوم على التضامن الجادّْ فيما بينها من جهة أخرى، فقد كشفت الأحداث التي مرت بها المنطقة أن العالم العربي فاقدُ الوزن والتأثير في مجريات الأحداث وتطوراتها، ولن يستطيع أن يكون له ذلك الوزن المؤثر إلا بإعادة بنائه على مقومات قوية، وبأساليب جادّة، داخلياً وإقليماً.
-داخلياً، إن الشعوب العربية ليست بحاجة إلى الحوار في تحديد عدوها المشترك والدائم، فهو أعلن ويعلن عن نفسه بالخرائط الجغرافية التوسعية، وبغطرسة القوة والتحدي.
-وخارجياً، فإن العالم العربي، شعوباً وأنظمة تمتلك من المقومات الأساسية، الدينية والتاريخية والثقافية والحضارية تفوق أي مقومات لمناطق أخرى، قارّات وأقاليم.
* واذا ما أدرك النظام العربي هذه الحقائق والمعطيات، فإن رحلة الميل تبدأ بخطوة فتجربة (ويستفاليا) التي أنْهتْ الحروب الأوروبية التي امتدت لثلاثين عاماً (1618-1648)، وأوْجَدَتْ نظاماً يقوم على الاحترام المتبادل لتلك الأنظمة المتحاربة، وبناء الشراكات والتحالفات الثنائية أو الأكثر من ذلك بيئة جيوسياسية آمنة مستقرة هي تجربة تاريخية ناجحة، أنْهَتْ الخلافات والحروب، واتجهت نحو التحوّل الديموقراطي والتعاون الاقتصادي، واحترام القيم الإنسانية، وتحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية، خدمة لشعوبها.
* وإذا ما أراد هذا العالم العربي أن يحقق مثل ذلك الإنجاز، فإنه مؤهل لذلك إذا ما توافرت الإرادات السياسية لديه وليس ذلك بالمستحيل بل هو ممكن. ــ الدستور