فيصل اسامة النجداوي : الضمان الاجتماعي بين فكّي الاستدامة المالية و الأمان الإنساني.
بقلم فيصل اسامة محمد صالح النجداوي
يقف المشرّع الأردني اليوم، وهو يفتح ملف تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026، أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود الغرف التشريعية، فهي لحظة صياغة مستقبل أجيالٍ ائتمنت هذه المؤسسة على حصاد عمرها. إن هذه المرحلة تستوجب منا وقفة مكاشفة، نستحضر فيها دروس الماضي القريب، وتحديداً تلك المنهجية الانكماشية التي طغت على مسودة مشروع عام 2022، والتي وُئدت بفضل الوعي الحقوقي الرصين، لتبقى درساً بليغاً في كيفية حماية روح القانون من طغيان لغة الأرقام الجافة .
إن النقد الموجه لمنهجية عام 2022، والذي قاده الخبير الحقوقي الأستاذ موسى الصبيحي، لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان تشريحاً لسياساتٍ كادت أن تحول الضمان من مظلة حماية إلى أداة جباية. فالمقترح الذي نادى بتغيير قاعدة احتساب الراتب التقاعدي ليعتمد متوسط أجور سنوات الخدمة كاملة، كان يمثل في جوهره اغتيالاً للطموح الوظيفي، إذ يُصادر أثر المؤمن عليه والزيادات الطبيعية التي يحصل عليها العامل في ذروة عطائه، ليساويه في نهاية المطاف بمن لم يتطور وظيفياً، وهو ما يعد إخلالاً بمبدأ العدالة وتنكراً للقيمة الشرائية للرواتب التي تآكلت بفعل التضخم.
وعندما نراقب اليوم مخاضات لجنة العمل النيابية فإن الخوف الشعبي ينبع من احتمالية استنساخ تلك العقلية التي حاولت تقليص المنافع التاريخية. إن أي توجه نحو الإجهاز على التقاعد المبكر دون إيجاد بدائل عادلة، أو التضييق على حقوق العاملين في المهن الخطرة، هو مساسٌ مباشر بالاستقرار التشريعي الذي يمنح الناس الثقة في دولتهم. لا يمكن أن نقبل بتشريعٍ منقوص يعامل العامل كآلةٍ صماء تُجبر على البقاء في الميدان حتى الرمق الأخير،
إن خارطة الطريق التي نضعها اليوم أمام المشرعين، والمستمدة من رؤى الخبراء المخلصين، تقتضي أن يكون الإصلاح شاملاً ومنصفاً. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المؤمن عليه، بل من تعظيم العائد الاستثماري وحماية الحوكمة المالية من الترهل. إن منح صلاحيات واسعة للإدارة لاتخاذ قرارات تمس جوهر الحقوق عبر تعليمات مرنة بدلاً من أنظمة قانونية صارمة، هو فتحٌ لبابٍ من الهدر قد لا يُغلق. أموال المشتركين هي أمانة مقدسة، ويجب أن تظل بمنأى عن أي اجتهادات إدارية تحاول تحويلها إلى صناديق رفاه أو حلول مجتزأة لترحيل الأزمات المالية.
لذا، فإننا نبعث برسالة حازمة إلى الغرفة التشريعية: إن الأردنيين اليوم أكثر وعياً بحقوقهم، وهم يرفضون أي قانون يعيد إنتاج سياسات التراجع التي رُفضت في 2022. إن المطلوب هو تشريعٌ يرسخ الطمأنينة، ويحمي الحقوق المكتسبة، ويضمن ديمومة المؤسسة عبر استثمارات ذكية وحوكمة رشيدة، لا عبر الانتقاص من رواتب المتقاعدين أو حرمان الشباب من سنوات اشتراكهم الفعلية. إن الاستدامة الحقيقية تُبنى بالعدالة، وهيبة المؤسسة تُستمد من قوة حمايتها للضعفاء، لا من قدرتها على تقليص لقمة عيشهم.
إن قانون 2026 يجب أن يكون جسراً للعبور نحو الأمان الاجتماعي الحقيقي، لا نفقاً يعيد إنتاج عثرات الماضي. إننا ننتظر من نواب الشعب أن ينحازوا لـمنطق الدولة الحانية، وأن يتبنوا الأطروحات العلمية المنصفة التي صاغها الخبراء والمخلصون، ليبقى الضمان الاجتماعي الحصن الحصين لكل مشترك ومتقاعد، والعهد الذي لا ينقطع بين الوطن وأبنائه. إن التاريخ سيسجل لمن صان الأمانة، ولمن وقف سداً منيعاً أمام كل محاولة لتفريغ الضمان من روحه الإنسانية والوطنية.