الأخبار

زياد فرحان المجالي : من خاصرة الشرق إلى الضفة: كيف توسّع إسرائيل تعريف الخطر؟

زياد فرحان المجالي :  من خاصرة الشرق إلى الضفة: كيف توسّع إسرائيل تعريف الخطر؟
أخبارنا :  

الملف العبري يعكس قراءة أمنية إسرائيلية تعيد رسم الجبهة الشرقية، فيما يبقى الأردن في موقع المواجهة مع شبكات التهريب لا في موقع التورط بها

في لحظات الإقليم المزدحم بالقلق، لا تكشف التحولات الأمنية ما يجري على الأرض فقط، بل تكشف أيضًا الطريقة التي تعيد بها الدول تفسير الجغرافيا المحيطة بها. وهذا تحديدًا ما يقدمه الملف العبري الذي يتحدث عن محاولات تهريب سلاح نحو الضفة الغربية عبر المسارات المحاذية للأردن. فالنص لا يكتفي بعرض خطر أمني محتمل، بل يعكس قبل ذلك قراءة إسرائيلية أوسع تسعى إلى إعادة تعريف الشرق كله بوصفه جبهة قابلة لإنتاج تهديدات جديدة.

ومن هنا يجب تثبيت مسألة أساسية منذ البداية: ما يرد في هذا الملف هو قراءة أمنية إسرائيلية، لا حقيقة نهائية يتبناها المقال. وهذه النقطة ضرورية، لأن أي تبسيط لهذا الطرح قد يخلق إيحاءً خاطئًا بأن الأردن يقع في دائرة الشبهة، بينما الوقائع على الأرض تقول العكس. فالأردن لم يكن يومًا معبرًا مفتوحًا، ولم يتعامل مع حدوده باعتبارها هامشًا رخويًا يمكن تركه لشبكات التهريب. على العكس تمامًا، نظرت الدولة الأردنية إلى تهريب السلاح والمخدرات، ولا سيما من الجنوب السوري، بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني وسيادتها واستقرارها الداخلي.

لهذا فإن الخلط بين الجغرافيا الذي تحاول شبكات التهريب استغلالها، وبين موقف الدولة الأردنية، يبقى خلطًا مضللًا سياسيًا وأمنيًا. فهناك فرق واضح بين القول إن المهربين يحاولون استخدام بيئة حدودية معقدة، وبين الإيحاء بأن الأردن جزء من هذا النشاط أو متساهل معه. فالوقائع التي كرستها السنوات الماضية تؤكد أن عمان كانت في موقع المواجهة مع هذه الشبكات، عبر حرس الحدود، والأجهزة الأمنية، والقوات المسلحة، وسلاح الجو، وأنها لم تنظر إلى هذا الملف بوصفه شأنًا يخص الآخرين، بل باعتباره اعتداءً مباشرًا عليها أولًا.

في المقابل، يكشف الملف ذاته ذهنية إسرائيلية تتجه إلى توسيع تعريف التهديد. فالمشكلة، وفق هذا التصور، لا تعود محصورة في شحنة سلاح أو عملية تهريب محدودة، بل في البيئة التي قد تسمح بمرور السلاح. ومن هنا يتصاعد داخل إسرائيل الحديث عن «الجبهة الشرقية» لا بوصفها مجرد عمق جغرافي، بل كخط تماس ينبغي أن يخضع لعقيدة أمنية أكثر تشددًا، تقوم على الاستباق والمنع المبكر لا على الاحتواء وحده.

وهنا ينبغي قراءة هذا الملف بوصفه نافذة على كيفية التفكير الإسرائيلي في المرحلة المقبلة. فإسرائيل تعيد تعريف الشرق أمنيًا، وتوسّع خرائط الخطر بما يخدم تصورها للحرب القادمة. أما الأردن، فيبقى في موقع مختلف تمامًا: ليس ممرًا، بل دولة تقف في خط المواجهة مع شبكات التهريب، وتدافع عن حدودها وسيادتها في وجه خطر تدركه قبل غيرها.

مواضيع قد تهمك