احمد عوض : ضغوط إضافية على مشكلة البطالة في الأردن
تدخل قضية البطالة في الأردن اليوم مرحلة أشد تعقيداً، لأن التحدي لم يعد داخلياً فقط، مرتبطاً بضعف النمو واختلالات سوق العمل والتعليم، بل بات يتغذى أيضاً من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتوسعها إقليمياً.
ففي مثل هذه الظروف، لا تكون الخسارة والاضطرابات محصورة في ارتفاع كلف
الطاقة والنقل أو اضطراب التجارة والسياحة، بل تمتد إلى إضعاف ثقة
المستثمرين والمستهلكين، وتردد القطاع الخاص في التوسع، وتأجيل قرارات
الاستثمار، وكل ذلك ينعكس مباشرة على قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة؛
إذ إن اقتصادات المنطقة، بما فيها الأردن، تواجه حالة مرتفعة من عدم
اليقين بفعل التوترات الجيوسياسية، بما يضغط على النمو والاستثمار
والتشغيل.
صحيح أن الاقتصاد الأردني أظهر قدراً من الصمود خلال الفترة الماضية، إلا
أن هذا الصمود ظل محدود الأثر على سوق العمل؛ حيث استمرت معدلات البطالة
عند مستويات مرتفعة تعكس عمق الأزمة الهيكلية في التشغيل. وهذا يعني أن أي
صدمة إقليمية، وخصوصاً إذا طال أمدها، ستجد سوق عمل هشاً أصلاً، يعاني من
فجوة بين التعليم واحتياجات السوق، وضعف في الاستثمار المنتج، ومحدودية
القطاعات كثيفة العمالة.
القلق لا يتعلق فقط بالداخل الأردني، بل يمتد أيضاً إلى أسواق العمل في
الخليج العربي، التي مثلت تاريخياً متنفساً مهماً للعمالة الأردنية ومصدراً
مهماً للدخل والتحويلات. فإذا أدت الحرب واتساعها إلى إضعاف ثقة الأعمال،
أو خفض وتيرة الاستثمار، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق في المنطقة، فإن
فرص العمل المتاحة للأردنيين خارج البلاد قد تتقلص كذلك. وفي الوقت نفسه،
فإن تراجع الاستهلاك المحلي وتباطؤ الاستثمارات الخاصة داخل الأردن قد
يصيبان قطاعات مثل السياحة، والخدمات، والنقل، والتجارة، وحتى بعض الأنشطة
الصناعية، ما يفاقم الضغوط على الشباب والنساء والخريجين الجدد، وهم أصلاً
الفئات الأكثر هشاشة في سوق العمل.
من هنا، تكتسب الجهود الأردنية الرامية إلى وقف الحرب ومنع اتساعها أهمية
اقتصادية واجتماعية مباشرة، لا تقل عن أهميتها الاستراتيجية والسياسية
والأمنية. فوقف الحرب ليس فقط مطلباً سياسياً وعسكريا، بل هو أيضاً ضرورة
لحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والحد من تدهور مؤشرات البطالة
والفقر والهشاشة. لكن ذلك وحده لا يكفي. المطلوب وطنياً هو التحرك على
مستويين متوازيين: الأول آني، يركز على حماية القطاعات الأكثر عرضة للتضرر،
خاصة قطاع السياحة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع برامج
التشغيل المرتبطة بالإنتاج والتدريب. والثاني استراتيجي، يقوم على إعادة
الاعتبار للقطاعات القادرة على خلق فرص عمل حقيقية، وزيادة دعمها، مثل
الصناعة التحويلية، والزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي،
إلى جانب تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني بما ينسجم مع احتياجات
السوق. وقد شددت مؤسسات دولية مراراً على أن خلق الوظائف، خصوصاً للشباب
والنساء، يتطلب سياسات أكثر فاعلية لتعزيز الاستثمار والإنتاجية والرقمنة
والانفتاح التنافسي.
استمرار الحرب لن يضيف فقط أعباء جيوسياسية على الأردن، بل سيعمق أزمته
التشغيلية والاجتماعية. ولهذا، فإن الاستعداد الوطني لم يعد ترفاً، بل
ضرورة عاجلة لصوغ حلول آنية واستراتيجية تعزز فرص العمل الجديدة، وتخفف أثر
الصدمات، وتحمي المجتمع من كلفة اقتصادية واجتماعية مرشحة للارتفاع إذا
طال أمد الحرب.