الأخبار

نقلة نوعية في غابات برقش وأم النمل نحو سياحة مستدامة ومجتمع منتج

نقلة نوعية في غابات برقش وأم النمل نحو سياحة مستدامة ومجتمع منتج
أخبارنا :  

أحمد التميمي
إربد- في مشهد تتداخل فيه ملامح الطبيعة الخلابة مع جهود التنمية المحلية، يشهد موقعا غابات برقش وأم النمل تحولا نوعيا يعكس توجها حديثا في إدارة المواقع السياحية، قائما على تحسين جودة الخدمات وتعزيز دور المجتمع المحلي في إدارة الموارد الطبيعية.
فلم يعد هذان الموقعان مجرد وجهتين للتنزه وقضاء الوقت، بل أصبحا نموذجا حيا لكيفية توظيف الموارد الطبيعية بشكل مستدام، يوازن بين راحة الزائر وحماية البيئة، وبين الاستمتاع بالطبيعة وخلق فرص اقتصادية حقيقية لأبناء المنطقة.
وفي هذا الإطار، نفذت وزارة السياحة والآثار سلسلة من الإجراءات التطويرية، شملت إنشاء وحدات صحية حديثة وتخصيص أكشاك لأبناء المجتمع المحلي، إلى جانب توفير حاويات وسلال نفايات للحفاظ على النظافة والمظهر الحضاري. وتأتي هذه الخطوات ضمن رؤية شاملة لتطوير تجربة الزائر ورفع مستوى الخدمات السياحية في المملكة، مع تمكين المجتمع المحلي من المشاركة الفعلية في إدارة وتشغيل هذين الموقعين المهمين.
وعززت وزارة السياحة والآثار خدماتها في موقعي غابات برقش وأم النمل، من خلال إنشاء وحدات صحية حديثة، وتخصيص أكشاك لأبناء المجتمع المحلي، دعما لتمكينهم اقتصاديا وتعزيزا لدورهم في إدارة الموارد السياحية. كما وقعت الوزارة اتفاقية مع بلدية برقش للإشراف على تشغيل هذه المرافق، بما يضمن استدامة الخدمات المقدمة للزوار، بالإضافة إلى تزويد الموقعين بحاويات وسلال نفايات للمحافظة على النظافة والمظهر الحضاري، خصوصا مع تزايد أعداد الزوار خلال العطل والأيام المزدحمة.
وأكدت الوزارة استمرار تنفيذ مشاريع مماثلة في مواقع التنزه المختلفة، بهدف الارتقاء بمستوى الخدمات السياحية، وتوفير بيئة متكاملة للزوار، تواكب تطلعاتهم، وتعزز من تجربة الاستمتاع بالطبيعة، مع الحفاظ على الموارد البيئية والتراثية لهذين الموقعين.
ويرى المواطن خالد بني دومي؛ أحد مرتادي غابات برقش منذ سنوات، أن التحسينات الأخيرة تمثل نقلة نوعية في مستوى الخدمات، إذ وفرت الوحدات الصحية والأكشاك المخصصة للزوار راحة أكبر للعائلات، خصوصا في الأيام التي تشهد كثافة عالية من المتنزهين.
وأشار إلى أن هذه التسهيلات جعلت الموقع أكثر ملاءمة للنزهات العائلية، وأسهمت في تقليل المشكلات المرتبطة بالنظافة، إذ أصبح الزائر أكثر التزاما بالمحافظة على المكان، ويشعر أنه جزء من تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والخدمة.
وأكد بني دومي أن التحسينات الأخيرة أسهمت في رفع مستوى رضا الزوار بشكل عام، وجعلت غابات برقش وجهة مناسبة للعائلات والأطفال على حد سواء.
فرصة حقيقية للشباب
أما الشاب محمود بني ياسين، من أبناء المنطقة، فيقول إن تخصيص الأكشاك لأبناء المجتمع المحلي لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل فرصة حقيقية للشباب لتحسين دخلهم اليومي والمساهمة في الاقتصاد المحلي.
وأضاف أن الأكشاك أصبحت منصة لتعريف الزوار بالمنتجات والخدمات المحلية، ما يعزز ارتباط الزائر بالمكان ويضفي طابعا ثقافيا واقتصاديا على الزيارة.
وأشار بني ياسين إلى أن تمكين المجتمع المحلي يحفزهم على المشاركة في الحفاظ على النظافة والتنظيم، لأن الموقع أصبح مصدر رزق ومسؤولية لهم، ما يعكس شعورا بالفخر والانتماء للمكان.
من جهتها، أشادت المواطنة سعاد الشبول بالتحسن الكبير في مستوى النظافة والبنية التحتية، مشيرة إلى دور الحاويات وسلال القمامة في تحسين بيئة التنزه. لكنها شددت على أن الحفاظ على هذا المستوى يتطلب جهودا مستمرة، بما في ذلك تعزيز الرقابة خلال العطل الرسمية ونهايات الأسبوع، التي تشهد كثافة في أعداد الزوار.
وأكدت الشبول أن المسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والزوار، فالتعاون بين الجميع هو العامل الأساسي للحفاظ على هذا المستوى من الخدمة والجودة، ما يجعل تجربة الزائر أكثر متعة وأمانا.
وبحسب الناشط البيئي الدكتور أحمد الشريدة، فإن ما يشهده موقع برقش من تطوير في البنية التحتية والخدمات، يعد خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح نحو تعزيز السياحة البيئية في المنطقة.
وأوضح الشريدة أن إنشاء المرافق الخدمية والصحية من قبل وزارة السياحة، إلى جانب جهود وزارة البيئة في توفير حاويات لجمع النفايات، يسهمان بشكل مباشر في تحسين تجربة الزائر والحفاظ على نظافة الموقع واستدامته بيئيا.
كما أشار إلى أن متابعة بلدية برقش أعمالها تعكس مستوى من الجدية في إدارة المواقع السياحية الطبيعية، مبينا في الوقت ذاته أن هذه الإجراءات من شأنها تنشيط الحركة السياحية الداخلية، خاصة في ظل توفر خدمات كانت غائبة سابقا.
وأكد الشريدة أن ذلك سينعكس إيجابا على المجتمع المحلي من خلال توفير فرص عمل لأبناء المنطقة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يعزز من مفهوم التنمية المستدامة في المواقع البيئية.
إلى ذلك، اعتبر الخبير السياحي الدكتور سامر المومني، أن إشراك المجتمعات المحلية في إدارة وتشغيل المواقع السياحية يعد من أبرز الممارسات العالمية في تحقيق السياحة المستدامة.
وأوضح أن هذه المشاركة تعزز شعور أبناء المجتمع المحلي بالمسؤولية تجاه المكان، وتحد من الممارسات السلبية التي قد تضر بالموقع، كما تخلق فرص عمل حقيقية للشباب وتحسن مستوى معيشتهم.
التنمية الاجتماعية والثقافية
وأضاف المومني أن هذه الخطوة لا ترتبط بالجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل التنمية الاجتماعية والثقافية، إذ تشجع الزوار على التفاعل مع السكان المحليين والتعرف على منتجاتهم وخدماتهم، ما يعزز الطابع المحلي والثقافي للزيارة.
وأشار، كذلك، إلى أن تحسين البنية التحتية، مثل الوحدات الصحية وإدارة النفايات، يعد عنصرا أساسيا في رفع جودة تجربة الزائر، إذ يبحث الزائر اليوم عن بيئة متكاملة تجمع بين الراحة والتنظيم والجمال الطبيعي.
وأوضح المومني أن هذه التحسينات تعكس اهتمام الوزارة بالجانب البيئي والحضاري على حد سواء، ما يسهم في تعزيز سمعة المواقع السياحية ويشجع على زيارتها بشكل أكبر، ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد المحلي.
من جانبها، أكدت المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة، أن موقعي غابات برقش وأم النمل من أبرز المواقع البيئية في الأردن، لما فيهما من تنوع نباتي وحيواني نادر، ما يجعل إدارتهما أمرا حساسا يحتاج إلى تخطيط دقيق ومتوازن.
وأشارت إلى أن أي تطوير للبنية التحتية يجب أن يتم وفق دراسات بيئية مدروسة، بحيث يتم الحفاظ على التنوع الطبيعي من دون التأثير على مكونات البيئة أو الممرات الحيوية للحياة البرية.
وأوضحت عبابنة أن الجمع بين تطوير الخدمات وحماية البيئة الطبيعية يمثل تحديا حقيقيا، لكنه أمر ممكن من خلال التخطيط السليم وإشراك المجتمع المحلي كعنصر فاعل في الحفاظ على الموارد البيئية.
وأضافت أن تحسين الوحدات الصحية وتوفير الأكشاك وإدارة النفايات لا تمثل خدمات مادية فحسب، بل تعد جزءا من إستراتيجية شاملة تهدف إلى رفع الوعي البيئي لدى الزوار وأبناء المجتمع المحلي على حد سواء.

كما أكدت عبابنة أن هذه الجهود تسهم في خلق نموذج للسياحة المستدامة يمكن تكراره في مواقع أخرى، بحيث يتحول الزائر من متلق سلبي إلى شريك فاعل في حماية الموقع، ما يضمن استمرارية المواقع الطبيعية كمنبع للمتعة والمعرفة والاقتصاد للأجيال المقبلة.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك