د. محمد حيدر محيلان : الإساءة للأردن جريمة
في لحظات الأزمات، تُختبر الدول ليس فقط في قدراتها العسكرية، بل في تماسك جبهتها الداخلية وصلابة وعيها العام.
والأردن، وهو في قلب إقليم مضطرب تتقاطع فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة والمصالح المتصارعة، يجد نفسه اليوم أمام معركة من نوع آخر: معركة الرواية والوعي والانتماء.
وليس من المختلف عليه أن حرية الرأي قيمة أساسية، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، وهي حق كفله الدستور ومارسه الأردنيون عبر عقود. غير أن هذه الحرية، في كل الأنظمة القانونية والسياسية، ليست مطلقة، ولا تتحول إلى غطاء لتبرير الإضرار بأمن الدولة أو المساس بسيادتها أو تبرئة من يعتدي عليها.
إن مناصرة أي طرف خارجي يشن هجمات على الأردن أو يهدد أمنه واستقراره ليست تعبيرًا عن رأي، بل انزلاقًا خطيرًا نحو تبرير العدوان. فحين تتحول بعض الأصوات إلى منصات تروّج لرواية الطرف الذي يطلق الصواريخ ويستهدف المجال الجوي للدولة، أو تشكك في موقف الأردن الرسمي وكأنه متواطئ أو منحاز ضد مصالح أمته، فإننا لا نكون أمام نقد سياسي مشروع، بل أمام خطاب يهز الثقة بالدولة ويفت في عضد الأمة وتماسك المجتمع في لحظات الأزمة الحرجة.
الأردن لم يكن يومًا خارج قضايا أمته، ولم يتخلَّ عن فلسطين، ولا عن مسؤولياته العربية، لكنه في الوقت ذاته دولة ذات سيادة، تُقدّر مواقفها وفق إمكاناتها وظروفها ومصالحها الوطنية. وهذه ليست ازدواجية، بل جوهر العمل السياسي المسؤول. فالدولة لا تُدار بالعاطفة، ولا تُقاس مواقفها بمنطق العاطفة أو الشعارات، بل بحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والقدرات.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في الانزلاق إلى خطاب يُضفي الشرعية على من يهدد أمن البلاد، أو يُصور الدولة وكأنها في موقع الاتهام بدل أن تكون في موقع الدفاع عن سيادتها. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يُطرح هو نقد أم اصطفاف؟ وهل نحن أمام حرية رأي أم أمام خطاب يُستخدم، بوعي أو دون وعي، في خدمة روايات خارجية؟
من الناحية القانونية، فإن كثيرًا من التشريعات، ومنها القوانين الأردنية، تضع حدودًا واضحة لأي خطاب من شأنه تقويض أمن الدولة أو تعريض سلامتها للخطر، أو بث الفتنة وإضعاف الروح المعنوية. وبالتالي، فإن التعبير الذي يتجاوز النقد إلى تبرير الاعتداء أو التشكيك الممنهج بمواقف الدولة في لحظة تهديد مباشر قد يندرج ضمن أفعال يُسأل عنها قانونيًا، لا باعتبارها رأيًا، بل باعتبارها ضررًا.
وفي سياق البعد الوطني، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أوقات الأزمات هو أن تتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة انقسام، أو أن يُمنح الخصم فرصة لاختراق الوعي قبل الحدود. فالدول تُهزم حين تتآكل وتهتز ثقة أبنائها بها، لا حين تتعرض فقط لضغوط خارجية.
إن المطلوب اليوم ليس إسكات الرأي، بل ترشيده؛ ليس إلغاء النقد، بل توجيهه بما يخدم المصلحة الوطنية؛ وليس فرض الاصطفاف، بل ترسيخ الوعي بأن الانتماء الحقيقي يظهر في لحظات الخطر، حين يكون الفرق واضحًا بين من ينقد من داخل البيت حرصًا عليه، ومن يفتح النوافذ لرياح الخارج لتعبث بأركان البيت ومحتوياته.
الأردن، بكل ما يملكه من إمكانات متواضعة، يقف في بيئة إقليمية معقدة، ويحاول أن يحمي استقراره ويحافظ على توازنه. وأقل ما يمكن أن نقدمه للوطن في هذه اللحظة هو ألا نشكك فيه، وأقوى ما يمكن أن نقدمه هو أن نختلف بوعي، وننتقد بمسؤولية، ونقف صفًا واحدًا حين يتعلق الأمر بأمنه وسيادته.
وهنا، لا يعود السؤال: هل هذه حرية رأي أم جريمة؟
بل يصبح السؤال الأصدق: هل هذا يخدم الوطن… أم يضعف موقفه في لحظة هو أحوج ما يكون فيها إلى وحدة صوته والتئام لحمته الوطنية؟