عماد عبد الرحمن : يقظة استراتيجية في زمن إدمان الحروب
في ظل التدهور المتسارع للأوضاع الأمنية في المنطقة واشتداد وتيرة الحروب الإقليمية الدائرة، يفرض الدور الأردني الجيوسياسي والدبلوماسي نفسه كعامل توازن ضروري في بيئة إقليمية متغيرة ومضطربة، بحكم موقعه الجغرافي ، ما يفرض عليه حالة دائمة من اليقظة، كونه يتأثر بشكل مباشر بنتائج هذه الصراعات حتى وإن لك يكن طرفاً فيها.
التحولات المتسارعة التي تنذر بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، والتداعيات المتوقعة، تفرض تحديات مركبة على الأردن، لا سيما في ظل إحتمالات إطالة أمد الحرب ، مع بروز مخاوف من التداعيات الإنسانية التي تنجم عادة عن الحروب والصراعات، وهي مخاوف تستند الى تجارب سابقة، عايشها الاردن في محيطه القريب، إنطلاقاً من الموقع الجغرافي الحساس، وتغير السياسات والمواقف تبعاً للمصالح بين القوى المتحاربة، سيما مع التصعيد الإسرائيلي الأخير في الضفة الغربية، تجاه المدنيين الفلسطينيين العزّل، وحالة فقدان السيطرة على المستوطنين، علاوة على تهجير أكثر من مليون مواطن لبناني من قراهم ومدنهم بالجنوب اللبناني لتحقيق ضغط اجتماعي وديموغرافي وليس فقط عسكري في الساحة اللبنانية.
في مواجهة هذه التعقيدات، يقود جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حراكاً دبلوماسياً إستباقياً ونشطاً،يهدف بالدرجة الأولى لخفض مستوى التصعيد الإقليمي ، وترسيخ الحلول السياسية كخيار وأولوية، كما يحرص الأردن على إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الإهتمام الدولي وعدم تغييبها تحت ضغط الأحداث، بالتوازي مع العمل على توحيد الموقف العربي وتعزيز الشراكة بين دوله في ظل الظروف الأمنية الخطيرة التي تتعرض لها دول الخليج العربي والأردن، نتيجة الإعتداءات الايرانية على مقدراتها الإقتصادية والتنموية، وقد جاء عقد قمة جدة بداية لإنطلاق " تحالف التهدئة" الذي يقدم الحل السياسي على أية حلول تصعيدية أخرى.
هذه الرؤية الأردنية ، تُرجمت الى مواقف سياسية واضحة، حملت رسائل مباشرة في أكثر من إتجاه، ابرزها أن الأردن لن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو منصة للإستعراض السياسي لأي طرف، ولن يسمح بتصدير أزمات الآخرين الى أراضيه أو كسر العزلة الدولية لأي طرف، وأن الأردن يحترم الإتفاقيات الموقعة، في وقت السلم ووقت الحرب أيضاً، ولا يمكن الضغط عليه في اي إتجاه أو تجاهله أو تجاهل مصالحه الوطنية.
في ضوء ذلك، فإن أي تصعيد في الضفة الغربية أو محاولة زعزعة مكانة السلطة الوطنية الفلسطينية، له إنعكاساته المباشرة على الأردن، كونه يمثل العمق الإستراتيجي لهذه الساحة، فالضفة الغربية التي يقطنها نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، تعيش تحت ظروف حصار وضغط مستمر، ما يجعل إستقرارها مسألة ترتبط بالأمن الوطني الأردني بشكل وثيق.
في الوقت ذاته يواجه الأردن تحديات أمنية متزايدة على حدوده الشمالية والشرقية، التي أصبحت تمثل خطراً حقيقياً، في ظل الأوضاع في سوريا والعراق، وما تفرزه من مخاطر عابرة للحدود تؤثر في أمنه وإستقراره الإجتماعي .
ورغم أن الأردن واجه على مر العقود سلسلة تحديات إقليمية كثيرة ، ونجح في إحتواء إرتداداتها وتداعياتها بأقل الخسائر، محافظاً على موقعه خارج محور الحروب والصراعات ، إلا أنه ظل فاعلاً على صعيد جهود التهدئة واندفع نحو الحلول الدبلوماسية،غير أن إتساع رقعت الصراع أو خروجه عن السيطرة قد يحمل تداعيات يصعب التنبؤ بها، خاصة إذا إمتد ليطال أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية، أو إستخدام كغطاء لإعادة تشكيل النظام السياسي والإقتصادي في المنطقة والعالم.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية أعمق تتعلق بما يمكن وصفه بـ" إدمان الحروب" لدى بعض القوى الإقليمية، التي تبرر تكرار النزاعات بذريعة الضرورات الأمنية، فمنذ إنطلاق الألفية الثانية أُشعلت سلسلة من الحروب التي انتهت دون حسم واضح، مع تكرار الأخطاء ذاتها ، سواء في تقدير قوة الخصوم، أو في الإعتماد على معلومات غير دقيقة ،ليخرج الجميع في النهاية مدعين تحقيق "نصر"، في حين أو الواقع يعكس ما يمكن تسميته "صورة نصر مختلق".
هذه المفارقة، تكشف عن أزمة بنيوية في التفكير الإستراتيجي ، يقوم على تصدير الأزمات الداخلية الى الخارج ، وافتعال الحروب والتعايش معها كأمر واقع، حتى لو كان الثمن على حساب شعوب المنطقة وحقها الطبيعي في الإستقرار والتنمية والعيش بأمن وسلام.