زياد فرحان المجالي : في قلب التصعيد الملك حمل ثوابت الأردن إلى جدة
حضور جلالة الملك عبد الله الثاني في لقاء جدة لم يكن حضورًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تأكيدًا جديدًا أن الأردن يتحرك بثوابته الواضحة، وبحكمة الدولة، لصون أمنه واستقراره وترسيخ دوره العربي وسط تصعيد إقليمي متسارع.
في الأوقات المفصلية من تاريخ الإقليم، لا تُقرأ اللقاءات السياسية الكبرى بوصفها مناسبات عابرة، بل بوصفها محطات اختبار للدور، وميزانًا لحضور الدول، وقدرة القيادات على حماية أوطانها وسط مشهد تتسارع فيه الأزمات وتتعاظم فيه المخاطر.
من هنا اكتسب اللقاء الثلاثي في جدة بين جلالة الملك عبد الله الثاني، وسمو الأمير محمد بن سلمان، وسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أهمية تتجاوز إطار التنسيق السياسي التقليدي. فالاجتماع جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تختلط فيها التوترات العسكرية بمخاوف الأمن والطاقة والاقتصاد والاستقرار، بما يجعل أي تحرك مسؤول على هذا المستوى تعبيرًا عن وعي عميق بحجم التحديات وبضرورة منع المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من التصعيد.
لكن ما يعنينا أردنيًا في هذا اللقاء لا يقف فقط عند ما صدر عنه من رسائل سياسية، بل يتصل أيضًا بما مثّله حضور جلالة الملك عبد الله الثاني في هذا التوقيت بالذات. فالملك لم يذهب إلى جدة ليكون جزءًا من مشهد عربي مهم فحسب، بل ليؤكد مرة أخرى أن الأردن حاضر في قلب القضايا الكبرى، وأنه يتحرك دائمًا من موقع الدولة التي تعرف ثوابتها، وتحسن الدفاع عن مصالحها، وتضع أمن شعبها واستقرار وطنها فوق كل اعتبار.
الأردن، بحكم موقعه وتاريخه وطبيعة دوره، لا ينظر إلى أزمات الإقليم بعين المتفرج، ولا يتعامل معها بمنطق الانفعال. فهو يدرك أن أي اضطراب واسع في المنطقة لا يبقى محصورًا في ساحاته العسكرية، بل يمتد سريعًا إلى الاقتصاد والطاقة وحركة التجارة والاستقرار الاجتماعي، ولهذا فإن الدفع نحو التهدئة، وتعزيز التنسيق العربي، والعمل على حماية المنطقة من مزيد من التوتر، ليست مواقف سياسية عامة فحسب، بل تعبير مباشر عن صيانة الأمن الوطني الأردني نفسه.
وهنا تتجلى خصوصية دور جلالة الملك عبد الله الثاني. فهو يتحرك دائمًا بعقل الدولة، وبحكمة القيادة، وبإدراك راسخ أن استقرار الداخل هو أساس كل دور خارجي محترم. فحماية الأردن لا تكون فقط بحراسة حدوده، بل أيضًا بتحصين جبهته الداخلية، وصون اقتصاده، والحفاظ على تماسك مجتمعه، ومنع الفوضى من أن تجد سبيلًا إلى بيته الآمن.
ولأن البيانات الرسمية تقول غالبًا أقلّ مما تحتمله اللحظات الكبرى، فإن لقاء جدة لا يُقرأ فقط من زاوية ما أُعلن عنه، بل أيضًا من زاوية ما فرضته المرحلة نفسها على جدول النقاش. فحين تجتمع عمّان والرياض والدوحة في ذروة التصعيد، وبين أيديها ملفات تمسّ الملاحة والطاقة والاقتصاد وأمن البنى الحيوية، يصبح من الطبيعي أن يتجاوز البحث حدود العناوين العامة إلى مستويات أعمق من التنسيق السياسي والأمني، من دون حاجة إلى كشف كل ما دار خلف الأبواب. وليس في ذلك ما يخرج عن طبيعة هذا النوع من اللقاءات، بقدر ما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن المرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالمواقف، بل تفرض بناء مقاربات عملية لحماية الاستقرار ومنع اتساع دائرة النار.
في جدة، حمل جلالة الملك عبد الله الثاني ثوابت الأردن معه بوضوح: دولة لا تفرّط بأمنها، ولا تساوم على استقرارها، ولا تنكفئ عن دورها العربي، لكنها في الوقت نفسه لا تنجرّ إلى المغامرة، ولا تسمح للعاطفة أن تتقدم على حساب المصلحة الوطنية العليا. وهذه هي المعادلة التي ميّزت السياسة الأردنية في أكثر اللحظات اضطرابًا: الوضوح من دون ضجيج، والثبات من دون انفعال، والحضور من دون استعراض.
ولهذا، لا ينبغي أن يُقرأ لقاء جدة بوصفه خبرًا عابرًا في زحمة التصعيد، بل كمحطة أكدت مرة جديدة أن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، يعرف كيف يتمسك بثوابته في اللحظات الصعبة، وكيف يحضر عربيًا من موقع الدولة المسؤولة التي تدرك أن حماية الوطن تبدأ من حسن قراءة الإقليم، ومن القدرة على التحرك في قلب العاصفة من دون أن تفقد البوصلة.