د. عبد الفتاح الحايك : هل نحن أمام حرب إقليمية أم إعادة تشكيل العالم
في
خضم التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، وتحالف تقوده الولايات المتحدة
وإسرائيل من جهة أخرى، تقف المنطقة على حافة مرحلة مفصلية قد تعيد رسم
خرائط النفوذ والتحالفات، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى النظام
الدولي بأسره، هذه الحرب إن انفجرت بشكل شامل، لا يمكن قراءتها في إطارها
الإقليمي الضيق، فالمواجهة مع إيران رغم أنها تبدو الهدف المباشر، إلا أنها
في جوهرها تمتد لتطال موازين القوى العالمية، حيث تراقب كل من الصين
وروسيا المشهد بعين استراتيجية، باعتبار أن أي إضعاف لإيران يعني تقليص
نفوذ حلفائهما في المنطقة، وفتح المجال أمام إعادة تموضع أمريكي أكثر
تقدماً قرب حدودهما الحيوية.
إن
المعطيات السياسية والعسكرية، تشير إلى أن الصراع الحالي يتجاوز فكرة "كبح
البرنامج النووي الإيراني" أو "ردع النفوذ الإقليمي"، ليصل إلى محاولة
إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يتوافق مع المصالح الغربية، وفي هذا
السياق تصبح إيران مجرد حلقة في سلسلة أكبر، عنوانها مواجهة تمدد القوى
الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا، فإضعاف طهران يعني ضرب أحد أهم أذرع
التوازن في المنطقة، ما ينعكس مباشرة على خطوط الطاقة والممرات
الاستراتيجية، إضافة إلى تقليص مساحة المناورة الروسية في الشرق الأوسط.
أما
عن نهاية هذه الحرب، فالمشهد لا يوحي بحسم سريع، بل إن السيناريو الأقرب
هو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، عبر ضربات محدودة، وحروب بالوكالة،
واستنزاف طويل الأمد لجميع الأطراف، فالحرب الشاملة مكلفة للجميع، لكنها
تبقى احتمالاً قائماً في ظل أي خطأ استراتيجي أو تصعيد غير محسوب، وقد نشهد
في نهاية المطاف تسوية سياسية مشروطة، تُفرض عبر توازنات القوة، لا عبر
إرادة السلام، وهو ما يجعل المنطقة عرضة لدورات جديدة من التوتر.
ووسط
هذه العواصف، يبرز موقف الأردن كحالة سياسية متزنة، قائمة على الحياد
الإيجابي، ورفض الانخراط في محاور الصراع، فالأردن بقيادته الحكيمة، يدرك
أن مصلحته الوطنية العليا تكمن في حماية أمنه واستقراره، وعدم السماح بأن
يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولية،
وقد
كان موقف الملك عبدالله الثاني بن الحسين واضحاً وحاسماً في أكثر من
مناسبة بأن الأردن لن يكون ساحة حرب لأي طرف، ولن يسمح باختراق أجوائه أو
أراضيه مهما كانت الضغوط أو التحديات، هذا الموقف الذي يعكس عقيدة سياسية
راسخة تضع سيادة الدولة فوق أي اعتبار.
وفي
موازاة ذلك يقود جلالة الملك عبدالله الثاني جهوداً دبلوماسية مكثفة عبر
جولاته ولقاءاته الدولية، للدفع نحو التهدئة ووقف التصعيد، والعمل على
إعادة إحياء مسارات الحل السياسي، فالأردن بحكم موقعه ودوره التاريخي يشكل
جسراً للحوار، وصوتاً للعقل في منطقة تعج بالصراعات، هذه الدبلوماسية لا
تنطلق من موقع الحياد فقط، بل من إدراك عميق بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى
تداعيات كارثية على الأمن الإقليمي، وعلى قضايا محورية، وفي مقدمتها القضية
الفلسطينية التي تبقى جوهر الصراع في المنطقة.
وعليه
فإن الحرب الدائرة أو المحتملة ليست مجرد مواجهة مع إيران، بل هي صراع على
شكل العالم القادم، وبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، يبقى الأردن
ثابتاً على مواقفه، حامياً لسيادته، ومدافعاً عن استقرار المنطقة، وساعياً
بكل ما أوتي من حكمة ودبلوماسية لإطفاء نيران قد تمتد شرارتها إلى الجميع.
وفي زمن الفوضى، يبقى صوت الحكمة الأردنية ضرورة لا خياراً.