م. هاشم نايل المجالي : الإسلام والمسؤولية الدينية والفكرية
الرأي
العام العالمي يتطلع لكشف فحوى الملفات الخاصة بالمدان بارتكاب أبشع
الانتهاكات البشرية، جيفري إبستين، حيث هناك احتمال تفجير فضيحة أخلاقية
تعيد للأذهان ملفات أخرى.
ولقد
قُتل إبستين في زنزانته عام 2019 لمنعه من كشف أسرار محرجة لشخصيات بارزة
في عالم السياسة والمال وغيرهم، وكشف شبكات اتجار جنسي لفتيات قاصرات، حيث
تتحول كرة النار إلى طرائف سياسية وقضائية في فصل جديد من فضائح أخلاقية
كثيرة.
إن من يتأمل في
المنهج الإسلامي بكل موضوعية وحيادية سيدرك بوضوح أن هذا المنهج قد أُنزل
للبشرية من أجل إصلاح ما فسد وتعزيز ما صلح، مستثمراً الأمل الذي خُلق عليه
الناس، وهو الفطرة البشرية السليمة، فهو يعيد الناس إلى أصل هذه الفطرة،
لا أن يخلق منهم شخصيات أخرى من العدم.
ولقد
جاء ليعزز ويعيد تشكيل المنظومة القيمية والأخلاقية للبشر، ويستبعد ما فسد
منها بفعل تلوث الفطرة، كما نرى ونشاهد من سلوكيات تلك الشخصيات السياسية
وغيرها، ونستطيع أن نفهم ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثت
لأتمم مكارم الأخلاق)، فلم يُنشئ الإسلام أخلاقاً من العدم، بل جاء لإتمام
رصيد البشرية من فطرتها السليمة وفضائلها الأخلاقية التي لم تتلوث.
ولم
يأتِ الإسلام لنسف عادات المجتمعات، بل ليهذبها ويصلحها، وكان الرسول صلى
الله عليه وسلم يلبس مما يلبسون، وصان الإسلام النفس البشرية، وأجاز ما
يتوافق مع مصالح البشر في العقود والشراء ليحقق المنافع المتبادلة دون
أضرار، واستبعد عقود الربا لأنها تدمر اقتصادات الدول.
وهذا
هو الإسلام الذي نزل لإعادة الناس إلى فطرتهم، لم يستهدف القضاء على
الحضارات الأخرى، ولم يكن مسؤولاً عن الأفهام الضالة المنحرفة لهؤلاء، ولم
يكن مسؤولاً عن أفكارهم المنحرفة، فهو دين هداية ودين حق وعدل، وحفظ حقوق
للرجل والمرأة وصيانتها من كل مكروه وانحراف وتجارة وابتزاز.
القرآن،
في آياته الأولى في بناء الإنسان، لم يخاطب السلوك قبل الوعي، ولا الفعل
قبل الفكرة، ولا النتيجة قبل النية، لأن ما يسكن في العقل هو ما يقود اليد
في النهاية، ولم يكن القرآن كتاب أوامر فقط، بل كتاب تفكيك للأفكار الخاطئة
والمغلوطة، هذا هو جوهر الإسلام.