مالك العثامنة : الطاقة تحت ضغط الحرب.. وإعلام الدولة تحت اختبار الفهم
حين تدخل المنطقة حربا، لا يعود ملف الطاقة مجرد شأن تقني تديره وزارة أو شركة بمزاج وزير أو موظف تنفيذي، بل يتحول إلى ملف سيادي يمس استقرار الدولة نفسها، لأن الكهرباء في زمن الحرب ليست خدمة عامة فقط، بل شرط للحياة اليومية، وللاقتصاد، وللثقة العامة.
ومع ذلك، ما زلت أرى أن إعلام الدولة في الأردن يتعامل مع أزمة الطاقة
الراهنة بعقلية البيان، لا بعقلية الشرح، وبمنطق التطمين، لا بمنطق الفهم،
وكأن المطلوب أن يهدأ الناس، لا أن يعرفوا ماذا يجري.
ليست وظيفة الإعلام الرسمي أن يخيف الناس، ولا أن يفتح باب الهلع، لكن
المطلوب منه، في لحظة كهذه، شيء أبسط وأعمق، وهو أن يحترم عقل المواطن، وأن
يتعامل مع أزمة الطاقة بوصفها قضية رأي عام، لا ملفا فنيا مغلقا، لأن
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الحرب في الإقليم وضعت منظومة
الطاقة الأردنية تحت ضغط حقيقي؛ فقد توقفت إمدادات الغاز خلال التصعيد،
واضطرت محطات الكهرباء إلى تشغيل بدائل أعلى كلفة، وهو ما يعني ببساطة أن
كلفة إنتاج الكهرباء ترتفع، وأن الاقتصاد كله يدفع الثمن، وأن هذه ليست
مسألة نظرية، بل معادلة مالية يومية يجب أن يعرفها الناس كما هي.
المشكلة ليست في الإجراءات التي اتخذتها الدولة، ولا في خطط الطوارئ التي
تعمل بها المؤسسات، فهذه واجباتها الطبيعية، بل في الطريقة التي تُعرَض بها
هذه الإجراءات على الناس؛ لأن المواطن يسمع أن الاحتياطيات الإستراتيجية
تكفي لفترة محددة، لكنه لا يسمع ماذا سيحدث بعد هذه الفترة إذا استمرت
الحرب، ويسمع أن الأمور تحت السيطرة، لكنه لا يعرف معنى السيطرة، وحدودها،
وكلفتها، ولا يرى في إعلام الدولة نقاشا حقيقيا حول السيناريوهات، ولا
قراءة اقتصادية لما يعنيه تشغيل محطات الكهرباء بوقود بديل، رغم أن هذا
القرار التقني البحت قد يتحول في لحظة ما إلى قرار مالي كبير، ينعكس على
المالية العامة، وعلى الأسعار، وعلى الاستثمار، وعلى قدرة الدولة نفسها على
الصمود.
إعلام الدولة اليوم مطالب بأن ينتقل من دور الناطق إلى دور الشارح، ومن
وظيفة نقل المعلومة إلى وظيفة تفكيكها، لأن أزمة الطاقة في زمن الحرب ليست
مجرد خبر، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة الوعي العام، وليس مقبولا أن
يبقى الخطاب الإعلامي أسيرا للغة العلاقات العامة، في وقت يتعامل فيه
العالم كله مع الطاقة بوصفها ملف أمن قومي، يدار بالشفافية المدروسة، لا
بالصمت الحذر، وبالمصارحة المسؤولة، لا بالرسائل العامة، وباستشارة بيوت
الخبرة لا "رهن القرار" بمزاجية مسؤول لوحده.
إن المطلوب من إعلام الدولة ليس خطابا سياسيا، بل خطابا مهنيا حقيقيا، يقول
للناس الحقيقة كاملة، لا نصفها، يشرح المخاطر دون تهويل، ويعرض
السيناريوهات دون ارتباك، ويضع المواطن في قلب المعادلة، لا على هامشها،
لأن الدولة القوية لا تخاف من شرح الواقع، بل تخاف من سوء فهمه، ولأن أخطر
ما يمكن أن يحدث في أزمة طاقة خلال حرب، ليس انقطاع الكهرباء، بل انقطاع
الثقة، وعندها يصبح العجز إعلاميا قبل أن يكون كهربائيا.