د. ميشلين ظاهر نويصر : الحرب الأمريكية – الإيرانية… حين يدفع الاقتصاد العالمي الثمن
ليس المطلوب اندلاع الحرب حتى يبدأ العالم بالخسارة، مجرد اقتراب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران كفيل بإرباك الاقتصاد العالمي، فهذه ليست مواجهة عادية يمكن احتواؤها ضمن حدود السياسة، بل صراع يقع في قلب شرايين الطاقة والتجارة العالمية، حيث يتحول أي توتر إلى موجة ارتدادات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى كل دولة وكل سوق، المشكلة لا تكمن فقط في احتمالية الحرب، بل في موقعها الجغرافي شديد الحساسية. فالخليج ليس مجرد ساحة صراع، بل ممر حيوي تمرعبره إمدادات الطاقة التي يعتمد عليها العالم بأسره، أي تهديد لهذا المسار، حتى لو كان محدوداً أو مؤقتاً، يفتح الباب أمام ارتفاع سريع في أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة النقل والصناعة والإنتاج، ليبدأ تأثيره بالوصول إلى المستهلك العادي في شكل ارتفاعات متتالية في الأسعار.
هذه الصدمة لا تبقى محصورة في قطاع الطاقة، بل تمتد لتصيب البنية الاقتصادية العالمية بأكملها فعندما ترتفع كلفة الطاقة ترتفع معها كلفة الغذاء، والتصنيع، والخدمات، وتبدأ موجة تضخم يصعب كبحها، ومع استمرار هذا الضغط، تتآكل القدرة الشرائية للأفراد، وتدخل الأسواق في حالة من التوتر، وقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام تباطؤ واسع، وربما ركود يصعب الخروج منه سريعاً. وفي موازاة ذلك، تتحرك الأسواق المالية بسرعة تعكس حجم القلق فالمستثمرون لا ينتظرون اندلاع الحرب بل يتصرفون عند أول إشارة خطر، تبدأ رؤوس الأموال بالانسحاب من الأسواق الأكثر عرضة للمخاطر، وتتجه نحو الملاذات الآمنة ما يؤدي إلى تراجع في أسواق الأسهم واضطراب في أسعار العملات وارتفاع في مستويات التقلب. هذا لا يعني فقط خسائر آنية بل يعكس تراجعاً في الثقة وهي العنصر الأهم في استقرار أي اقتصاد.
أما سلاسل الإمداد العالمية التي ما زالت تعاني من هشاشة واضحة فهي من أكثر القطاعات عرضة للتأثر، فالتوتر في منطقة الخليج يعني ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخير حركة البضائع وربما تعطّلها في بعض الحالات، وهذا يؤدي إلى نقص في بعض السلع وارتفاع أسعارها، ما يزيد من الضغط على الأسواق ويعقّد من قدرة الحكومات على ضبط التوازن. ولا يمكن إغفال تأثير هذا التصعيد على حركة الاستثمار العالمي، فحالة عدم اليقين تدفع الشركات الكبرى إلى تأجيل خطط التوسع أو إعادة توجيه استثماراتها نحو مناطق أكثر استقراراً، وهذا التراجع في الاستثمار لا يؤثر فقط على النمو الاقتصادي بل يمتد ليؤثر على فرص العمل ومستويات الدخل خاصة في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية.
في منطقتنا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فنحن لسنا بعيدين عن هذا الصراع، بل في نطاق تأثيره المباشر، أي تصعيد سينعكس فوراً على قطاعات حيوية مثل السياحة والتجارة والخدمات، وسيضع ضغوطاً إضافية على الحكومات التي تواجه تحديات في الحفاظ على الاستقرار المالي وهنا، تتحول الأزمة من تحليلات اقتصادية إلى واقع يومي يلمسه المواطن في أسعار السلع وتكاليف المعيشة.
ورغم أن بعض الدول قد تستفيد مؤقتاً من ارتفاع أسعار الطاقة إلا أن هذه الفوائد تبقى محدودة زمنياً فاستمرار التوتر يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد العالمي وتقليص الطلب، ما يعني أن هذه المكاسب قد تتحول سريعاً إلى خسائر وبالتالي، فإن أي رهان على الاستفادة من الأزمة يبقى محفوفاً بالمخاطر وغير قابل للاستمرار.
في النهاية، لا يمكن التعامل مع هذا الصراع باعتباره مجرد مواجهة سياسية بين دولتين بل يجب النظر إليه كاختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في وجه الصدمات، فالعالم اليوم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى وأي اضطراب في منطقة حساسة كمنطقة الخليج كفيل بإحداث تأثيرات متسلسلة تتجاوز كل التوقعات.
الحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تُحسم في ساحات القتال، بل أزمات اقتصادية تمتد آثارها لسنوات، ومع أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لن يكون السؤال من يملك القوة الأكبر بل من يستطيع تحمّل الكلفة الأثقل، لأن الحقيقة الواضحة هي أن هذه المواجهة إن اندلعت لن تترك خلفها منتصرين بقدر ما ستترك اقتصاداً عالمياً مثقلاً بالخسائر وعالماً يدفع الثمن.