عاطف أبوحجر : حُلم الطوارئ
عاطف أبو حجر
في زمنٍ اصبحت فيه الإشاعة أسرع من الحقيقة، لم تعد الأخبار تُقلقنا فقط… بل بدأت تزورنا في أحلامنا أيضًا! ولم يعد القلق وليد اللحظة، بل تحوّل إلى حالةٍ يومية تُغذّيها الأخبار المتسارعة والتوقعات غير المؤكدة، حتى تسلّل إلى تفاصيل حياتنا،وأحيانًا لا تحتاج الأزمات إلى أن تقع فعلًا؛ يكفي أن نسمع عنها كثيرًا لنعيشها بكل تفاصيلها، فيتحوّل أبسطُ بيتٍ إلى "غرفة عمليات” لإدارة طوارئ لم تبدأ بعد. حتى تشعر أن العالم على وشك "شيء ما”… حتى لو لم نعرف ما هو هذا الشيء تحديدًا! وبين التحليلات المتضاربة والتوقعات التي تُبنى على "يمكن” و”ربما”، لم يعد غريبًا أن ننام على قلقٍ ونصحو على قائمةِ مشترياتٍ بحجم خطة تأسيس محل تجاري!
حلمتُ—والخير فيما حلمتُ—أن "أمّ العيال” قد قررت إعلان حالة طوارئ منزلية قبل أن تعلنها الجهات المختصة! توقظني لتذكّرني أنني—بحسب رأيها الاستراتيجي—آخر من يعلم بما يجري في هذا الكون، وغائبٌ فعلًا.
"قوم بسرعة!” تقولها بنبرةٍ لا تحتمل التأجيل، "بدنا ننزل على السوق!” وهنا يبدأ المشهد العبثي الجميل: أنا أحاول عبثا استيعاب الموقف، وهي تُعدّد محتويات القائمة.
ندخل المول—في الحلم طبعًا—وإذا بالقوائم تتوالد كالأرانب: واحدة في حال انقطاع الكهرباء: ضو البنورة، لوكس شمبر، سراج فتيل، شموع، فتيلة، قدّاحات، كِبريت… وقائمة أخرى للتموين الاستراتيجي: طحين، سميد، خميرة، رز، سكر، زيت… وثالثة لا نعلم هل هي استعداد للطوارئ أم افتتاح سوبرماركت منزلي: معلبات من كافة أنواع الخضار والفواكه المعلبة والمجففة، أجبان، كرتونة شاي، رطل قهوة…
وقبل أن أستجمع شجاعتي لأعترض، تضيف بحزم: "عبّي السيارة بنزين! ولا تنسَ الكاز والغاز ،وراديو صغير ولوكس بيل وكرتونة بطاريات.” حينها فقط أدركت أنني لست في حلمٍ عادي، بل في تمرينٍ وطنيٍّ شامل لإدارة الأزمات—لكن بإشراف "أمّ العيال”.
حاولت أن أُدخل بعض المنطق في الحوار، فقلت لها: "يا مستورة، شكلكِ أخذتِ المثل بحرفيّته: إن إنجنّ ربعك… ما بنفعك عقلك.” لكنني لم أُكمل، إذ ارتفع صوتها كصافرة إنذار: "أنت ما بتسمع أخبار؟ ولا عايش بعالمٍ ثاني؟!”
كل الناس قاعدة بتخزّن، هي وقفت علينا؟
وهنا، وقبل أن أُحال إلى لجنة تحقيق منزلية، جاءني الخلاص على هيئة منبّه الفجر. صحوتُ، لا على قائمة مشتريات، بل على سؤالٍ أكبر: كيف تحوّلت الأخبار والشائعات إلى هذا القدر من الضجيج، حتى أصبحت تطاردنا في يقظتنا ومنامنا؟ نحن نعيش في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار، ويختلط فيه الصادق بالمضلّل، فنظل نركض بين القنوات العربية كمن يبحث عن إبرةٍ في كومة قش.
ولهذا، ربما لا يكون الطلب غريبًا: لماذا لا نحظى بتغطية إخبارية متواصلة واضحة من "التلفزيون الأردني"المصدر الرسمي الذي نثق به؟ نحن—ببساطة—نحب إعلام بلدنا، ونريده حاضرًا حتى لا نضطر إلى تجهيز "خطط طوارئ” تبدأ بحلمٍ ساخر… وقد لا تنتهي عنده.
وفي نهاية المطاف، يبقى الدور الأكبر على عاتق المواطن نفسه؛ فكما نطالب بإعلامٍ مسؤول، علينا أن نكون على قدرٍ من الوعي، فلا ننساق وراء الشائعات، ولا نُسهم في نشرها دون تحقّقٍ. فالكلمة أمانة، والخبر مسؤولية، والوعي حصنٌ لا يقل أهمية عن أي استعدادٍ مادي.
نسأل الله أن يحفظ بلدنا الأردن، ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحمي قيادتنا الهاشمية، ويصون شعبنا الأردني من كل سوء.