3120 شهيدًا في 100 عام تركوا الأردن أمانة..بينهم 88 شهيدًا يوم الكرامة
يواصل الأردنيون تقديم أرواحهم دفاعًا عن ثرى الأردن حتى لا يمسَّه سوء ولا
يتجرأ عليه مُحتل، وتوزع الشهداء على امتداد جغرافيته شمال وجنوبًا ووسطًا
وشرقا وغربًا، حيث قدَّم 3 آلاف و120 جنديًا أرواحهم ليبقى الأردن ثابتًا،
من بينهم 88 شهيدًا في معركة الكرامة ضدَّ العدو الإسرائيلي، وترك هؤلاء
الشهداء جميعًا الأردن أمانة في أعناق كل من يسكنون على هذه الأرض.
ومع
مرور 58 عامًا على معركة الكرامة عادت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) إلى
ذاكرة القوات المسلحة الأردنية -الجيش العربي، وتبين لها انَّها تحفظ
تفاصيل دقيقة عن 3 آلاف و120 شهيدًا على مدار 88 عامًا، قدموا خلالها
أرواحهم دفاعًا عن الأردن في كل الأجهزة الأمنية والعسكرية، داخل الأردن
وخارجه عندما كانوا وما زالوا يحفظون السَّلام في دول مزقتها الحروب
الأهلية والنزاعات المسلحة.
ولم تترك القوات المسلحة الأردنية على مدار
أكثر من 100 عام أي تفاصيل إلا ووثقتها عن هؤلاء الشهداء الأردنيين والذين
يوثقون سردية الأردن للأجيال، وانّ هذا الوطن لم يصل إلى هذا اليوم سالمًا
إلا بتقديم التضحيات، ومن بينها 88 شهيدًا وقفوا بأرواحهم سدًا منيعًا
وكسروا فيها تجرؤ الاحتلال الاسرائيلي على محاولة الاعتداء على الأراضي
الأردنية قبل نحو ستة عقود.
مدير الإعلام العسكري في القيادة العامة
للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي العميد الركن مصطفى الحياري، قال
ل(بترا)، إنَّ معركة الكرامة ستبقى حاضرة في سردية الأردنيين، وتمثل أكثر
من أنها تاريخ عسكري، وهي لحظة وعي تاريخي، يستعاد فيها الماضي لتمتين
المستقبل على أسس صلبة من الشرعية والحكمة والتضحية، قوامها وحدة الصف
الأردني، وحكمة قيادتهم الهاشمية، وصلابة جيشهم العربي.
ولفت إلى أنَّ
هذه المعركة التي يمر على ذكراها 58 عامًا تمثل لحظة شفاء نفسي، يتجدد فيها
الاعتبار والثقة بنشامى الجيش العربي، ونفضوا عن أمتهم غبار الهزيمة، وكان
نصر الكرامة بعد الانكسار، وكان النصر ثمرةً للشجاعة والإقدام والثبات
والصبر، الذي لم يتحقق إلا بإيمان النشامى بالله عز وجل وبقدسية أرضهم
وبرسالة الآباء والأجداد، وبعقيدة الجيش الأردني.. الله، الوطن، الملك.
وأوضح
أنَّ الكرامة هي إحدى أعمدة السردية الأردنية الوطنية المرتبطة بفكرة
الإرادة والنهوض والتخلص من العجز، وانعكست فخراً واعتزازاً على الموروث
الثقافي الشعبي الأردني، واستقرت في ذاكرة الأردنيين بوصفها حدثاً يعبر عن
قدرة الدولة على رصّ جبهتها الداخلية بالرغم من قلة الموارد، ويعبر عن قدرة
قواتها المسلحة في إعادة تنظيم صفوفها بالرغم من الكبوة والنكسة والخذلان،
ففي السنوات التي سبقت المعركة مرّت المنطقة بحالة اضطراب واسعة تركت
أثرها المباشر، ليس فقط على المزاج الأردني بشكل خاص، بل وعلى المزاج
العربي بشكل عام.
وروى الحياري قصَّة الكرامة كفرد من أبناء القوات
المسلحة الأردنية يوثق لتاريخها وتاريخ جنودها الذين قدموا أرواحهم فداء
لهذا التراب، مستذكرًا شهداء حرب الاستنزاف التي سبقت معركة الكرامة والذين
كان من أبرزهم قائد كتيبة الحسين الثانية الرائد مازن كريشان وستة من
زملائه، وهم من استشهدوا يوم 15 من شهر شباط عام 1968 وهو اليوم الذي
اختاره جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يوماً للوفاء للمتقاعدين
العسكريين والمحاربين القدامى.
ولفت إلى أنَّ الجيش العربي سطر ملحمة
بطولية في معركة الكرامة، وأثبت الجندي الأردني وقفته الشجاعة، وصموده
البطولي، وثباته بوجه عدو متفوق في العدة والعدد والعتاد، كما أثبت أن
إحراز النصر لا يكون إلا بتقديم التضحيات؛ فارتقاء 88 شهيداً من شهداء
القوات المسلحة في هذه المعركة، هو ما كان مفتاحاً للنصر، ودلالةً على أن
قوة الجيوش لا تقاس بما لديها فقط من عدة وعدد وعتاد، وإنما أيضاً تقاس بما
لدى جنودها من استعداد لتقديم النفس رخيصة في سبيل الله والوطن.
وبين
أنَّ الكرامة استحقت أن تكون واحدة من أعمدة السردية الأردنية، إذ قدمت
الجيش كمؤسسة محترفة ومهنية ومنضبطة، قادرة على ترجمة القرار السياسي
السيادي إلى منجز وواقع على الأرض، مهما بلغت الصعاب ومهما تطلبت التضحيات،
وبجاهزية قتالية عالية، وكان أجمل ما في السردية الوطنية حول المعركة هو
التمسك بنهج الكرامة.
وأشار إلى تعمق موروث تلك المعركة في السردية
الأردنية وتجاوز روايات نشامى الجيش، وما يدون في الكتب، ويستذكر في
الاحتفالات الرسمية، لينعكس على الموروث الثقافي الشعبي، فأصبحت مقولة
"الموت ولا الدنية" حاضرة في الأهازيج والقصائد، ترفع الهمم وترفض الخضوع
والتفريط بالحق.
الباحث الحقوقي الرئيسي ومدير البرامج والأبحاث في معهد
السياسة والمجتمع المهندس حسين الصَّرايرة قال ل(بترا)، إنَّ معركة
الكرامة لحظة مفصلية أعادت تشكيل الوعي الوطني، ورسّخت فكرة أن الإرادة
قادرة على إعادة التوازن حتى في أحلك الظروف، غير أن القيمة الحقيقية لهذه
المعركة لا تكمن فقط في ما حدث، وإنما كيف نرويها وننقلها للأجيال.
وأضاف
أن توثيق الكرامة اليوم جزء من معركة الوعي، فالدولة التي تريد حماية
ذاكرتها، تحتاج إلى سردية وطنية حيّة تُبنى عبر التعليم، والإعلام،
والإنتاج الثقافي، والمنصات الرقمية، بحيث تتحول الكرامة من حدث في كتاب
إلى تجربة حاضرة في وجدان كل جيل.
ولفت إلى أنَّ الشهداء لم يغيبوا بقدر
ما تغيّرت صورتهم في الوعي العام، كركائز معنوية قامت عليها الدولة،
وتركوا الأردن أمانة، بوصفها مسؤولية مستمرة تتطلب الحفاظ على قوة الدولة
وعدالتها وتماسكها فاستذكارهم الحقيقي ترجمة تضحياتهم إلى سلوك وطني يومي.
وأضاف
أنَّ القوات المسلحة الأردنية تلعب دوراً يتجاوز الوظيفة الدفاعية، لتكون
حارساً للذاكرة الوطنية، وتكرّس حضور الشهداء في الوعي الجمعي، وتوثّق
امتدادهم على جغرافيا الوطن، بما يحوّل كل موقع إلى شاهد حي على قصة تضحية.
وأضاف
أنَّ التحدي اليوم هو أن تتحول هذه الجغرافيا إلى خريطة وعي؛ مواقع معارك
تُزار، وقصص تُروى، ومسارات وطنية تُبنى، وتقنيات حديثة تُستخدم لربط
المكان بالتاريخ حتى تصبح الكرامة درساً يومياً.
وبين أنَّ الأردن لا
يخلِّد معاركه بتكرار روايتها، وإنما ببناء دولة تستحقها؛ دولة تحمل
الكرامة كقيمة مستمرة، لا كحدث من الماضي، وتحفظ أمانة الشهداء بالفعل، لا
بالكلمات، وهو ما حدث ويحدث في سلسلة مؤسسية تقودها القوات المسلحة
الأردنية منذ 58 عامًا.
الباحث في الرواية التاريخية والشعبية ومدير
ثقافة إربد الدكتور عاقل الخوالدة قال لبترا، إنَّ والده شهد معركة الكرامة
وكان حينها مأمور اتصالات وكان يروي له تفاصيل المعركة الدقيقة والتي
عاشها على أرض الواقع، وكان الدرس المترسخ لديه أنَّ معركة الكرامة لقنت
اسرائيل درسًا لم ولن ينساه ولن يكرر التفكير يومًا بعبور هذا النهر إلى
ضفته الشرقية وأن هناك جنودًا يمتلكون عقيدة لا يمكن أن تنكسر.
ولفت إلى
أنَّ نصر الكرامة جاء على تضحيات أردنيين يتوزعون على كل الجغرافيا
الأردنية في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب، وفي كل ذكرى تمر للكرامة
يتذكر أبناء الشهداء جيلا بعد جيل والأردنيون معهم انَّ الشهداء قدموا
أرواحهم ليبقى الأردن سالمًا منعمًا وأن يحقق العدو أهدافه مهما حشد من
قوات وعتاد.
ولفت إلى أنَّ هزيمة عام 1967 للأمة أمام العدو الاسرائيلي
تسببت بجرح كبير وتشكلت صورة نمطية بان الاحتلال الاسرائيلي لا يُقهر، لكن
الكرامة أعادت الأمور إلى نصابها، وسحقت هذا الجيش، ومنذ ذلك اليوم لم
يتجرأ هذا الجيش على تكرار فعلته بمهاجمة الجيش الأردني.
--(بترا)