اللواء المتقاعد البطوش: لا خــوف عــلــى الأردن
كامل النصيرات -
أكد المحلل الاستراتيجي اللواء المتقاعد الدكتور رضا البطوش أنه «لا خوف على الأردن» بالرغم من تصاعد التوترات في المنطقة، مشددا على أن المملكة دولة متجذرة وذات سيادة، وأن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على أتم الاستعداد لكل الظروف الاستثنائية.
وأكد البطوش، في حوار مع «بودكاست الدستور»، أن النظام السياسي هو صمام الأمان للأردنيين.
وعن مسار الحرب على إيران ومآلاتها رأى البطوش أن هناك قرارا استراتيجيا خاطئا من الولايات المتحدة لن يخدم مصلحتها، متوقعا أن تتطور الأحداث في المستقبل وتعيد تشكيل النظام الدولي تدريجيا. وتاليا أبرز ما جاء في الحوار..
** «الدستور»: في ظل أجواء المنطقة الملتهبة، بفعل الحرب على إيران وتداعياتها، إلى أين تسير الأمور برأيك؟
- البطوش: المنطقة تمر بتطورات خطيرة غير مسبوقة، ولهذا السبب يجب أن نعود إلى الوراء قليلا ونرى ما هي الأسباب التي أوصلت إلى ذلك.
لدينا إشكالية كبيرة جدا، فنحن أمام مشروعان، المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهما مشروعان توسعيان، بمعنى أنهما يسعيان لتحقيق مصالحهما على حساب المصالح العربية.
إذا أخذنا التطورات التي وقعت على غرار السابع من أكتوبر، فهناك تغيرات جوهرية كانت على المستوى الدولي، وأستطيع أن أحدد أن التغيرات حصلت على مستوى الرأي العام، وتحديدا في الولايات المتحدة، فهناك انقلاب كبير جدا في اتجاه الناس بالنسبة لإسرائيل، وهو انقلاب غير مسبوق، فالكثيرون في الولايات المتحدة من ممثلي الرأي العام أصبحوا ضد إسرائيل. في السابق كان من يتحدث بشكل سيئ عن إسرائيل يتهمونه بمعاداة السامية، إلى أن تغيرت الأمور الآن بنسبة كبيرة جدا وبالذات بين جيل الشباب، وأعتقد أيضا أن الاتجاه يتغير حتى بالنسبة للسياسيين، وإن كانت هناك نسبة لا بأس فيها موجودة في الكونغرس تدعم إسرائيل.
المشروع الإيراني ولو أنه تراجع إلا أن خطره ما زال قائما. التوجهات موجودة وتأجلت للأسباب التي نعرفها إبان السابع من أكتوبر، والتغييرات التي حصلت في سوريا وغير ذلك، ولكن في ما يتعلق بالمشروع الصهيوني أعتقد أنه قائم وأجزم أنه خطر داهم على الأمة العربية برمتها وليس فقط على الأردن، وإذا نظرنا إلى الأمور، فإننا نرى التناغم والتنسيق ما بين الصهيوني الإسرائيلي والدعم الأمريكي منقطع النظير.
ما يحدث الآن في الضفة الغربية والقانون الجديد الذي صدر عن الكنيست الإسرائيلي في ما يتعلق بالأراضي التي كانت تخضع للقانون الأردني وبالتالي التوسع الاستيطاني الإحلالي غير المسبوق في الضفة الغربية.
** «الدستور»: في لقاء مع الصحفي تاكر كارلسون عبّر السفير الأمريكي في تل أبيب عن توجهات تلمودية بأن هذه أرض إسرائيل الكبرى.. ما الذي يمنع أن تأخذ إسرائيل هذه الأرض؟
- هذا التوجه خطير جدا، فما أعلمه أن هذه الدول وتحديدا إسرائيل والصهيونية العالمية أهدافها ثابتة وتسير باتجاهها، وتحاول إعادة تشكيل النظام الإقليمي بطريقة أو بأخرى.
إسرائيل أصيبت في مقتل بعد السابع من أكتوبر، والتحولات الجوهرية التي تحدث أيضا ليست في صالحها، وهي تحاول التقاط الفرصة في ظل وجود النظام الأمريكي القائم وفي ظل وجود ترامب في الحكم وأن تخطو هذه الخطوة. وضمن هذا المخطط، وهو إسرائيل الكبرى، تحاول إسرائيل إعادة تشكيل الأمن الإقليمي والسيطرة على المنطقة، ومن ذلك إنهاء إيران.
ونحن نلاحظ التسارع الذي حصل في الفترة الأخيرة في التوجهات الإسرائيلية، وأعتقد أن هذا قرار إسرائيلي دعمته أمريكا، وأعتقد أن هذا قرار استراتيجي خاطئ وليس في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية نظرا للتداعيات الكبيرة الموجودة، وأعتقد أن الأحداث ستتطور في المستقبل وستعيد تدريجيا تشكيل النظام الدولي.
** «الدستور»: كيف ستتطور الأمور؟
- البطوش: هناك أكثر من سيناريو في الوضع الحالي. نظام إيران السياسي نظام عقدي، لديهم تراتبية ويعملون عليها منذ أكثر من خمسين سنة. وقد لاحظنا هذا الإصرار وكيف كان الرد والاستهداف غير المسبوق سواء كان لإسرائيل أو حتى لأراضي الدول العربية، وهو يشير إلى أن إيران إذا لم تصل إلى العتبة النووية فهي على وشك أن تصل إليها، ولا أستبعد في أي لحظة أن تصل إيران للعتبة النووية ويكون الردع لديها غير تقليدي، فهو الآن هو ردع هجين بين الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والانشطارية.
إذا كان هناك فراغ أمني في إيران، فسيقود إلى تدخلات خارجية سواء كان من الصين أو حتى من روسيا لملء الفراغ، وهذا يعيدنا لقضية في غاية الخطورة وهي جزء من أهداف الحرب غير المعلنة، وهو الصراع الناعم ما بين الولايات المتحدة والصين، وتحديداً في مبادرة الحزام والطريق.
الصين في هذه المبادرة موجودة على حدود أميركا من الجنوب، وترامب في إحدى المرات هدد باحتلال بنما لأن بها قاعدة بحرية كبيرة جداً للصين، وما حصل في فنزويلا هو جزء من هذه المعادلة، وإذا حصل فراغ إيراني وأصبحت هناك فوضى في إيران، فسيستغلون ذلك بطريقة أو بأخرى، علماً بأن هذا الأمر لن يحصل في تقديري، ولن يكون هناك رابح بالمطلق في هذه الحرب.
إيران بالنسبة للصين هي مسألة حياة أو موت، وأعتقد أن الصين لن تسمح بسقوط النظام الإيراني أو بسيطرة أميركية على إيران. إذا سيطرت الولايات المتحدة على إيران فهذا يعني أن أميركا ستسيطر على كل هذه المنافذ، وحرمان الصين من مضيق هرمز باتجاه السويس والبحر الأحمر المتوسط باتجاه أوروبا، وجزء كبير من نفط إيران، فالمعادلة معقدة جداً.
الأمر الآخر بالنسبه للجانب العربي أعتقد أن إيران ترتكب جريمة باستهداف الدول العربية، فهذه الدول لها سيادتها ولها مصالحها وبالتالي لها الحق في تحالفاتها، فإيران استهدفت منشآت الدولة نفسها وليس القواعد الأمريكية فقط فهذه كارثة، والخوف من أن تتطور هذه الحرب فحينها سيكون هناك تأثير كارثي حتى على الاقتصاد العالمي، وإذا تم استهداف منابع النفط والمنشآت الاقتصادية فهذا سيؤدي إلى كارثة على الاقتصاد العالمي.
أعتقد أن هذه استراتيجية إيرانية لوقف الحرب بطريقة أو بأخرى، عبر التهديد بضرب منابع النفط والمنشآت الاقتصادية وتوليد ضغط على الولايات المتحدة.
ما يحدث الآن هو تدرج في الردع، فنرى تدرج العمليات بأهداف واسعة على نفس طويل من قبل إيران، وإذا نظرنا إلى إيران فإننا نجد أنها بلد جغرافيته كبيرة جدا وعدد سكانه كبير جدا وطبيعة الجغرافيا والتضاريس لديه صعبة جدا، فحتى سيناريو القوات البرية أعتقد أنه سيكون انتحارا من قبل الولايات المتحدة، فأمريكا من الصعب جدا أن تدخل الحرب بريا.
إذا توسعت الحرب ودخلت فيها دول عربية وجرى هذا التوسع في العمليات، فمن الذي سيملأ الفراغ؟ هنا يأتي الخوف من «إسرائيل الكبرى»، لأن إسرائيل تسير في هذا التوجه، وهو توجه عقدي موجود، وهذه فرصتها الأخيرة.
** «الدستور»: الضربات تحدث يوميا على إيران وتستهدف مواقع استراتيجية وأهدافا حساسة.. كيف يؤثر ذلك على مسار الحرب؟
- البطوش: أعتقد أنه كان هناك خطأ فادح باستهداف المرشد الأعلى الإيراني، فهو يمثل رمزية دينية لدولة عدد سكانها أكثر من 92 مليون نسمة علما أن استهدافه لا يعني شيئا إيجابيا للعملية العسكرية.
أعتقد أن الحرب ستطول، وسنصل إلى مرحلة بأن إسرائيل والولايات المتحدة ستسعيان فيها إلى إيجاد مخرج من الحرب. وإذا طالت فما سيكون ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها.
** «الدستور»: كأردنيين ما هو وضعنا في كل ما يحدث؟
- البطوش: أؤمن تماما أنه لا خوف على الأردن. الدولة الأردنية متجذرة في النظام الدولي، على الرغم من الخزعبلات التي تقترفها إسرائيل في ما يتعلق بطموحاتها.
الأردن دولة ذات سيادة، والشرائع الدولية تعطيها القدرة على أن تجري تحالفاتها بما يحقق مصالحها وبما يضمن أمنها القومي.
نحن نثق أن القوات المسلحة والأجهزه الأمنية على أتم الاستعداد في هذه الظروف الاستثنائية. وفي ظل هذه الفوضى والاستهدافات الموجودة، أعتقد أن أمن حدودنا يجب أن يكون أولوية، سواء من المعابر البرية أو البحرية أو الجوية.
ويجب أن نفكر أيضا في البنى التحتية الحيوية، والأهم من هذا كله الأمن السياسي.
أعتقد أن معركتنا الآن هي معركة وعي، ترتبط بالقيم الوطنية وتنميتها، لأنها العامل المهم في التخطيط الاستراتيجي على مستوى الدولة.
نظامنا السياسي صمام الأمان لبلدنا، وهذا يجب أن يعلمه كل أردني، ونحن لدينا شعب واع، وفي هذه اللحظات يجب أن نتكاتف ونثق في أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة.
** «الدستور»: هناك من يطلق الشائعات بشأن تصدي الأردن للصواريخ.. ما هي الحقيقة؟
- البطوش: الصاروخ طالما دخل الأجواء الأردنية فهذا يعني أنه من الممكن أن يكون الهدف أردنيا، فلا يجوز لنا كدولة أن نتجاوز ذلك. فبمجرد دخول هذا الصاروخ الأجواء الأردنية يجب أن نواجهه ونتصدى له، ولا يوجد مجال للمغامرة في هذا الجانب.
الأمر الآخر أيضا أننا دولة لها سيادة، ومن يدخل الأجواء هو معتدٍ ويجب أن نواجهه بكل ما يمكن من سبل.
وأحيي هنا القوات المسلحة الأردنية وسلاح الجو الملكي. ويجب أن نشد على أيديهم للجهود الكبيرة التي يقومون بها لحمايه وطننا وشعبنا.
** «الدستور»: قلت إن من الصعوبة بمكان إسقاط النظام الإيراني، وإذا طالت الحرب فإن هناك كلفة اقتصادية كبيرة على كل الدول. كيف ترى شكل إدارة الأزمة إن طالت الحرب؟
- البطوش: ليس هناك رابح في هذه الحرب، إن كان الدول الغنية أو الفقيرة، فالحرب تعني خسارة كبيرة جدا. والأمر الآخر أننا إذا أخذنا مضيق هرمز وأضفنا له باب المندب وقناه السويس وغيرها من الممرات الدولية، فهناك دول تدخل حربا إذا أغلقت هذه الممرات، والولايات المتحدة إذا أغلق ممر بحري تعتبر هذا إعلان حرب وستدخل بحرب أبدية من أجل ذلك.
سلاسل التزويد ستطول بشكل كبير جداً والاقتصاد سيتأثر. ونحن لدينا مشاكل اقتصادية، لكن الحرب لا تحترم أي شخص، والإشكالية إذا خرجت الأمور عن السيطرة والمنطقة لا تقبل فراغا، فستكون هناك حاجة لملء هذا الفراغ، وهذه هي الإشكالية في المستقبل.
ما يحدث الآن هو إعادة تموضع في الأمن الإقليمي سيقود تدريجيا إلى إعادة تشكيل القوى الدولية في المستقبل.