خلدون ذيب النعيمي : آذارنا الأردني ذاكرة إنجاز ونقاء
لطالما وصف شهر آذار الذي يُعرف في بعض مناطق الوطن «بإيذار» بموروثنا الشعبي بالخصب والنماء وجبر الخواطر، فكان «أن غلت وراها أذار وأن أمحلت وراها آذار» وهي هنا الأمل بهذا الشهر الذي يحل مع تباشير الربيع بأن تحمل أمطار وثلوجه تحسنا للموسم الزراعي الذي لم تكف امطار الأربعينية وشباط في أرواء الأرض بشجرها وحقولها، وآذار هو شهر «الفزعة» الذي هب لمساعدة شقيقه شباط بأربع ايام منه بعد ان سخرت منه تلك «الختيارة» بعد ان قارب على الرحيل دون ان يشهد برد شديد وامطار وافرة فكانت تلك الايام السبع المعروفة «بقران العجايز» المعروفة ببردها وامطارها فكان بحق « خبي فحماتك الكبار لعمك آذار».
فآذار له مع الأردنيون قصة ملؤها التصميم والانجاز المفعمة بدعاء الامهات الطاهرات اللواتي نذرن ما في بطونهن نشامى يعشقون الورد لكن يعشقون الارض اكثر، تلك الأرض الاردنية التي راهنت على انسانها كمنطلق ويد لبنائها في ظل ضعف الموارد فكسبت كل من الأم والارض الرهان بجدارة ومن هنا كان للام والارض الترادف التقليدي المشهور باللفظ والمعنى والعطاء، وفي أذار كان للأرض والوطن الحق بتزامن الاحتفاء بالأمهات اللواتي ارضعن ابنائهن حكاية المجد وسرديتها فكان صنع الكرامة المجيد الذي مسح عن الامة تبعات سياط حزيران القريبة وأكد لها ان اسطورة الجيش الناعت نفسه بالذي لا يقهر ممكنة فكان ان تحطمت عجرفته على صخرة الأردن بقيادته وجنده وشعبه.
وقبل نصر الكرامة بعقد ونيف كان لآذار مشهده في قرار تعريب قيادة الجيش وطرد قيادته الاجنبية الذي فرضته قيود الانتداب وهو القرار الذي يتفق فيه الجميع انه من المفاصل التاريخية لهذا الوطن في ظروفه وتبعاته، فالأردن وقتها كان بين شرين احلاهما مر وذلك بالاختيار بين استقلالية قراره العسكري وبين المعونة الانجليزية التي كانت الرديف الاكبر للخزينة لوطن كان في خطواته الاولى في البناء والتنمية وذلك مع تولي الملك الحسين بن طلال فكان قراره رحمه الله ان الكرامة ليست موضع مساومة لوطن قاتل جنده بأظافرهم واسنانهم في باب الواد واللطرون واسوار القدس، فكان القرار الريادي بتسليم القيادة لاحد ابناء الوطن ممن انجبتهم الاردنيات وارضعنه لبن الكرامة وشرب ماءها واكل قمحها فمثل إشارة مقدسة ان لهذه الارض أبناءها الذين يذودون عن حياضها بالغالي والنفيس.
المحصلة ان آذار شهر يحبه الاردنيون ويحبهم، ويتزامن آذارنا هذا العام مع شهر رمضان المبارك الذي يحمل سجلاً زاخراً من نصر الأمة كان عنوانه الأبرز «كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة»، فكان ذلك عنوان النصر لهذا الوطن ولهذه الامة وللأم المدرسة في تنشئتها السليمة القائمة على الثقة بالنفس وعدالة القضية، واشتمل العنوان ايضاً على الكرامة في عطائها العسكري وقرارها السيادي فكان اجمل هدية للوطن والارض وللأم في يومها السنوي أرواح من رسم نصر الكرامة، فكانت الكرامة وأرواح الشهداء ودعوات الامهات جزءً منيراً من سردية الاردن الذي كتب بذهب الكرامة بالعز بالشهامة تاريخاً كبيراً، يكتبه الأردن.