الأخبار

د. عاصم منصور : قمر يجلو الظلمة

د. عاصم منصور : قمر يجلو الظلمة
أخبارنا :  

زارتنا الأسبوع الماضي ضيفة كنت أرغب بلقائها والتعرف عليها عن قرب بعد أن عرفتها خلال السنتين الماضيتين من خلال مواقفها الإنسانية البارزة في الوقوف مع الحق الفلسطيني في وجه حرب الإبادة التي تتعرض لها غزة، أقصد هنا المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيزي التي تعد بحق واحدة من أبرز الأصوات القانونية والحقوقية التي أنصفت الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال.

لقد جمعت البانيزي في مسيرتها بين التكوين الأكاديمي العميق والخبرة الميدانية الطويلة، والحس الإنساني المرهف فصاغت لنفسها موقعاً فريداً كضمير قانوني لا يساوم على المبادئ. فهي محامية إيطالية متخصصة في القانون الدولي، حيث تبلورت رؤيتها النقدية لقضايا الاستعمار وحق الشعوب في تقرير المصير. وهذا الأساس الأكاديمي المتين لم يبقَ حبيس القاعات الجامعية، بل ترجمته إلى واقع داخل منظومة الأمم المتحدة، حيث شغلت مواقع متعددة في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وفي وكالة الأونروا، ما أتاح لها احتكاكاً مباشراً بالواقع اليومي للاجئين والانتهاكات الواقعة عليهم، ومنح خطابها القانوني حساً إنسانياً واضحاً.
اشتهرت ألبانيزي بكونها من أبرز المتخصصين في قضية اللاجئين الفلسطينيين، ويتجلى ذلك في إسهامها العلمي المهم حول الوضع القانوني لهم في إطار القانون الدولي، حيث قدمت معالجة دقيقة توازن بين النصوص القانونية والسياقات التاريخية. هذا العمق المعرفي كان أحد أسباب اختيارها عام 2022 مقررةً خاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو منصب يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والاستقلالية. ومنذ توليها هذا الدور، عُرفت بلغتها القانونية الواضحة وغير المواربة، وإصرارها على توصيف الوقائع وفقاً لمعايير القانون الدولي كما تفهمها، حتى في ظل الضغوط السياسية والإعلامية الكبيرة التي رافقت عملها، وانتهت بتصنيفها أميركيا على قائمة المقاطعة حيث لم يعد بمقدورها إلقاء ولو حتى محاضرة في أي من الجامعات الأميركية.
ولا تقتصر شخصية ألبانيزي على البعد القانوني الصرف؛ ففي كتابها A Moon Will Rise from the Darkness”» تقدم شهادة قانونية وحقوقية معمقة توثق سياسات الفصل العنصري والتطهير العرقي التي تمارسها سلطات الاحتلال مؤكدة حتمية انتصار العدالة مهما بلغت قسوة الظلم، مشددة على أن التحرر ليس مجرد حق قانوني بل ضرورة أخلاقية. فعنوان الكتاب يحمل دلالة رمزية على الإيمان بأن الظلام، مهما طال، لن يمنع بزوغ فجر جديد، كما اختارت لكتابها غلافا تزينه لوحة رسمتها طفلة فلسطينية صادفتها في إحدى مدارس وكالة الغوث في غزة خلال إحدى زياراتها.
لقد لمست خلال زيارتها لأطفال غزة الذين يتلقون علاجهم في مركز الحسين البعد الإنساني لهذه الشخصية النزيهة، وعمق تعاطفها مع هؤلاء الأطفال ومأساتهم المزدوجة، كما ذهلت من عمق معرفتها بفلسطين تاريخا وجغرافيا حتى أنني وأنا الذي أدّعي الاطلاع على هذا الموضوع وجدت نفسي محرجا أمام بعض أسئلتها ومعلوماتها.
تمثل فرانشيسكا ألبانيزي نموذجاً للمثقف القانوني الذي يربط بين المعرفة والمسؤولية، وبين النص القانوني والضمير الأخلاقي، والإشادة بها لا تنبع فقط من مواقفها، بل من ثباتها على مبدأ أن القانون الدولي يجب أن يكون أداة لحماية الإنسان، لا مجرد لغة دبلوماسية أفرغت من محتواها. في عالم تعلو فيه المصالح السياسية والعنصرية والقوة الغاشمة على حقوق الشعوب، تبرز ألبانيزي صوتاً يذكر بأن العدالة قد تتعرض للتشكيك ومحاولات الخنق، لكنها لا تفقد قيمتها ما دام هناك من يدافع عنها بإيمان وعلم وشجاعة. ــ الغد

مواضيع قد تهمك