الأخبار

د. احمد صالح البطاينة : أوهام العرب في تحقيق السلام مع اسرائيل

د. احمد صالح البطاينة : أوهام العرب في تحقيق السلام مع اسرائيل
أخبارنا :  

على العرب أن يودعوا السلام مع اسرائيل، وأن يتصرفوا معها على هذا الأساس وللأسباب التالية:

أولا: رفض اسرائيل للمبادرة العربية بصيغتها الكاملة، والتي استهدفت تحقيق حل جذري لأزمة الشرق الأوسط، وتعمدت إفشالها على الرغم من أنها حظيت بإجماع عربي، وتم تأكيدها في قمم عربية لاحقة، وباعتراف عالمي بأهميتها وواقعيتها، وترحيب الكثير من الأطراف الدولية بها كفرصة تاريخية لإنهاء أزمة لا تزال تؤرق العالم منذ عقود من الزمن، ووصفها الكثير من المراقبين الدوليين بأنها تُمثل فرصة ذهبية سانحة لتحقيق السلام.

وفي المقابل، تنسحب اسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967، وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها دوليا على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين وفقا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى هذا الأساس تعلن الدول العربية إنهاء النزاع وإقامة علاقات طبيعية وتطبيع كامل مع إسرائيل في إطار سلام شامل يتضمن عقد اتفاقية سلام بين الجانبين لتحقيق الأمن لجميع دول المنطقة. ونقطة الضعف في المبادرة العربية أنه تم إطلاقها في ظل غياب توازن القوى بين إسرائيل والعرب.

ثانيا: عندما ذهب السادات إلى اسرائيل وحده وعبر عن استعداده للتفاوض المباشر وافق الطرف الاسرائيلي أن يجري مفاوضات حول ما يخص مصر وحدها في النزاع، ولو كانت اسرائيل راغبة في السلام حقا المبني على العدل، لأعطت مصر وهي أكبر دولة عربية مقابل المبادرة التي قام بها السادات كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة، ولوضعت الأمة العربية كلها التي اتخذت موقف الرفض لهذه المبادرة، ولكل ما ترتب عليها من اتفاقيات في موقف دقيق للغاية امام الأعداء والأصدقاءعلى حد سواء.

ثالثا: لم تتقدم اسرائيل منذ وجودها بأي مبادرة للسلام وإنهاء النزاع، ولم تتجاوب مع جميع الجهود الدولية المسؤولة في هذا الإطار، وتواصل خططها الاستعمارية الرامية عبر الإستيطان المستمر، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة التي أقرتها المنظمات الدولية واعترفت بها معظم دول العالم. وفي الواقع وعلى الرغم من اتفاقيات السلام مع اسرائيل التي عقدتها مصر والأردن معها، لم يحدث أن تمادت اسرائيل في توجهاتها العدوانية وتطلعاتها التوسعية كما فعلت في ظل هذه الاتفاقيات، فعلى الرغم من ان الدعاية الاسرائيلية لا تكف عن الحديث عن السلام، إلا أن سلوكها السياسي الداخلي والخارجي ينفي أي تطلعات لتحقيق السلام في المنطقة، فعلى الرغم من عقود على وجودها لم تستطع أن تكسب اعتراف جيرانها أو قبولهم لها بشكل جماعي، بل استمرت في فرض نفسها على المنطقة العربية باستخدام القوة أوالتهديد باستخدامها.

رابعا: تتمثل استراتيجية إسرائيل ومفهومها للسلام في إدعائها المستمر بأنها ترغب وتعمل لإحلال السلام في المنطقة، غير أنها تسعى فقط إلى محاولات الإستفراد بكل دولة عربية وحتى إسلامية لعقد اتفاقية سلام ثنائي معها، الأمر الذي تصطاد بذلك عصفورين بحجر واحد، الأول يتمثل بأنها حققت من جانب سلاما ثنائيا بينها وبين الدولة التي تعقد معها مثل هذه الاتفاقية للسلام، ومن جانب آخر تزرع الفتنة والخلافات الخطيرة بين الدول العربية والإسلامية، كما حدث بعد اتفاقيتها مع مصر التي ترتب عليها شرخ عربي، كانت له مفاعيل سلبية عل مجمل الصراع مع اسرائيل وعلى دول المنطقة.

خامسا: عندما احتلت اسرائيل كل فلسطين وثلاث دول عربية عام 1967 اعلنت عن تحرير أرض إسرائيل التاريخية، ولم تعرف اسرائيل معنى الحدود السياسية الدولية المعترف بها، ولا هي أعلنت رؤيتها لمثل هذه الحدود كحدود جغرافية نهائية ومعلنة، بل زادت الأمر غموضا عندما أحالت أمر تعيين الحدود إلى مفاهيمها الدينية، وتصريحات السفير الأمريكي باسرائيل مؤخرا ليست أول ولن تكون آخر تصريحات الناطقين باسم الدولة الأمريكية العميقة حول أحقية إسرائيل بتحقيق دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وكما قال موشي ديان فإن حدود الدولة هي حيث يقف آخر جندي اسرائيلي، فالحدود في التصور الصهيوني ينطلق من حدود اسرائيل التاريخية الموجودة حسب إدعائهم بالتوراة.

سادسا : إن السلام يتناقض مع طبيعة اسرائيل من حيث النشأة والاستمرار كدولة استيطانيىة، كما أن واقع التركيبة الحالية لمنظومة الحكم في اسرائيل يتسم بالتفوق الواضح للجناح اليميني التوراتي المتطرف، وعلى ما يبدو سيستمر هذا الوضع في الحاضر والمستقبل، وهو الجناح الذي يعتمد في فكره وإيمانه على أن الوجود الصهيوني قائم على إلغاء الطرف الآخر، ولا تثق اسرائيل بأي شيء في هذا العالم سوى بتعاليمهم التوراتية، وهي التي تحكم سياسات الدولة اليهودية في فلسطين وفي المنطقة على المديين القريب والبعيد، سواء بالمحافظة على الشخصية اليهودية النقية للدولة، أوما يسمى بفكرة أرض اسرائيل التاريخية.

سابعا: إن آخر ما يعني اسرائيل هو المساهمة بإحلال السلام في المنطقة، ِوسياساتها كما تجلت معنية فقط بخلق التوتر والاضطراب في المنطقة العربية التي زرعت فيها، ولا تعتبر نفسها تنتمي للمنطقة بل مركزا متقدما للغرب، وأنها تقوم بدورها في حماية الحضارة الغربية، وإن الاستراتيجية الاسرائيلية المدعومة وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مستمر الذي لم ولن ينقطع على جميع المستويات السياسية والعسكرية، تستهدف التأكيد على أن اسرائيل قوة عظمى في المنطقة، وتسعى للسيطرة والهيمنة على المنطقة العربية، وتسعى وتحافظ على زرع الخلافات بينها، كما تسعى لأن تصبح الدولة الاقليمية العظمى، وتمثل محورا تدور في فلكه دول المنطقة.

ثامنا: هل ما فعلته اسرائيل في حربها على غزة بشعبها ولا تزال، والذي تجاوز كل مفاهيم الإرهاب، بل أضافت إلى قاموس الإرهاب ممارسات لم يعرف العالم المعاصر مثيلا لها في القتل وارتكاب المجازر اليومية التي طالت كل فئات شعب غزة، على الرغم من أن شعب غزة لم يهاجم اسرائيل، بل حماس هي التي قامت بطوفان الأقصى، وكان الأحرى باسرائيل أن تحصر حربها مع حماس فقط، ولو أن لديها أدنى رغبة بإحلال السلام في الحاضر أو المستقبل فإنها لا ترتكب مثل هذه الجرائم بشعب غزة، والتي تعرف يقينا أنه لا يمكن للأجيال الحاضرة والقادمة أن تنساها نظرا للمآسي العميقة والطويلة الأمد التي ترتبت عليها، عداك عن ما تفعله في الضفة الغربية من قتل وتهويد وزحف استيطاني وتهجير في إطار سياستها لضم الضفة الغربية، وهل مثل هذه الدولة العنصرية التي ترتكب بشعب في المنطقة مثل هذه الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية ترغب أو يمكن أن تسعى لإحلال السلام في المنطقة، أو تسعى للتعايش السلمي مع شعب فلسطين خاصة وشعوب المنطقة عامة؟!.

وأخيرا وليس آخرا والخلاصة أن العرب إذا أرادوا أن يعقلنوا إسرائيل، وأن يفرضوا على إسرائيل أن تجنح للتفكير لإحلال السلام الحقيقي في المنطقة، وأن تتخلى عن احلامها التوراتية التوسعية، وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني بتحقيق دولته المستقلة التي تقاومها اسرائيل وتفعل كل شيء يؤدي إلى استحالة تأسيسها، عليهم أن يدركوا أن إسرائيل لا تفهم ولا تحترم إلا من يملك القوة، ويتمثل نهجها الذي تصرح به وترى فيه أن العرب لا يفيد معهم سوى القوة، وكلما استخدمت المزيد من القوة ضدهم وتم تصعيدها تراجعوا أمامك أكثر، عليهم أن يتعاملو معها بمثل هذه الاستراتيجية والعقلية والمنهجية وخلق حالة من توازن القوى بينها وبين اسرائيل تؤدي مفاعيلها إلى أن تنزل اسرائيل عن الشجرة العالية التي تتسلقها منذ وجودها، وأن تنزل إلى الأرض، وبفضل تحقيق مثل هذه الحالة من التوازن يمكن أن تتعقلن اسرائيل وتجنح لتحقيق السلام العادل في المنطقة.

* مستشار إعلامي وباحث عربي أردني

مواضيع قد تهمك