رمضان في الكرك.. أناشيد المسحراتي ودويّ المدفع… إرث روحي لا يشيخ
تزخر الذاكرة الشعبية في محافظة الكرك بمفردات الحياة اليومية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، بما تحمله من دلالات إيمانية وتجليات روحية شكّلت لعقود طويلة جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع المحلي، قبل أن تتراجع بفعل التحولات الحديثة والتطور التكنولوجي الذي غيّب كثيراً من ملامح رمضان القديمة وموروثه القيمي.
ومن أبرز هذه الطقوس الرمضانية التي اندثرت مع تغيّر الزمن، شخصية المسحراتي الذي عُرف في الكرك باسم "الطبّال"، إضافة إلى "مدفع رمضان" الذي كان يشكل علامة زمنية ينتظرها الأهالي لتحديد مواعيد الإفطار والسحور والإمساك.
ويقول الباحث في التراث والأديب نايف النوايسة، الى لـ«الرأي»، إن بعض الأصوات التي تتخذ موقفاً رافضاً للتراث تقلل من قيمة المظاهر الشعبية التي سادت المجتمع الأردني لعشرات السنين، مؤكداً أن المهتمين بالتراث يسعون إلى توثيق هذه الممارسات بوصفها عناصر ثقافية جرى حفظها في الكتب والمجلات وقواعد البيانات بعد أن توقفت ممارستها بفعل التطور التكنولوجي المتسارع.
وأوضح النوايسة أن المسحراتي ومدفع رمضان شكلا عنصرين تراثيين ملازمين للشهر الفضيل، إذ بدأت وظيفتهما أساسا لتنبيه الناس إلى مواعيد الإفطار والسحور، قبل أن يتحولا مع مرور الزمن إلى طقوس اجتماعية متوارثة تحمل أبعادا وجدانية وروحية عميقة، إلى أن حلّت المنبهات الإلكترونية والهواتف الذكية مكانهما.
" المسحراتي".. صوت السحور في الأزقة
وعرفت الكرك تقليد المسحراتي عبر أجيال متعاقبة، حيث كان يُختار لهذه المهمة شخص يتمتع بحضور محبّب وصوت جهوري وقدرة على الإنشاد. وكان يجوب الأحياء ليلاً حاملاً طبلته، يقرعها بإيقاع مألوف ويردد عبارات دينية أشهرها: "يا نايم وحد الدايم".
واحتفظت الذاكرة الشعبية بأسماء عدد من المسحراتية الذين ارتبطوا بوجدان الأهالي، من بينهم لافي أبو شام المعروف بعذوبة صوته، ثم مرزوق، وحابس الضمور الشاعر الشعبي صاحب الحضور الظريف والصوت اللطيف، الذين كان الأطفال والكبار ينتظرون مرورهم بين الحارات.
ويشير النوايسة إلى أن المسحراتي غالباً لم يكن يتقاضى أجراً، بل كان يحتسب عمله لوجه الله، فيما اعتاد بعض الأهالي تقديم مكافآت رمزية أو دعوته لمشاركتهم وجبة السحور، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي وصفاء العلاقات الإنسانية آنذاك
مدفع رمضان… «دبّة» تُسمع لعشرات الكيلومترات
أما مدفع رمضان، فيرتبط ظهوره – بحسب النوايسة – بقصة تعود إلى القرن السابع عشر في القاهرة، حين انطلقت قذيفة من أحد المدافع مصادفة مع أذان المغرب أثناء تنظيف الجنود له في قلعة الجبل، فاستحسن الناس الأمر، وأُقرّ إطلاق المدفع لاحقاً عند الإفطار والسحور، قبل أن تنتشر الفكرة في أنحاء الدولة العثمانية ومنها الأردن.
وفي الكرك، نصب المدفع على الواجهة الشمالية لقلعة الكرك المطلة على المدينة، وكان يتولى مسؤوليته شيخ حجازي يُعرف بالعم أبو يوسف، إمام المسجد الحميدي، الذي كان يُعدّ القذيفة باستخدام شرائط القماش وملح البارود وأدوات الإشعال، منتظراً لحظة الأذان لإطلاق ما يُعرف محلياً بـ"دبّة المدفع".
وكان صوت المدفع يُسمع لمسافة تصل إلى نحو ثلاثين كيلومتراً، حيث تُطلق ثلاث قذائف يوميا، واحدة عند الإفطار، وأخريان وقت السحور؛ الأولى للتنبيه، والثانية تُعرف باسم "طلقة الرفعة" إعلاناً لبدء الإمساك.
ويؤكد النوايسة أن هذه الطقوس، رغم غيابها اليوم، ما تزال حاضرة في وجدان أبناء الكرك، تستعاد في المجالس والذكريات باعتبارها جزءاً من هوية رمضانية شكلت ملامح مجتمع متماسك حافظ على قيمه وعاداته عبر الزمن. ــ الراي