الأخبار

م. سهل عبد الهادي المجالي : خمس سنوات بلا وداع

م. سهل عبد الهادي المجالي : خمس سنوات بلا وداع
أخبارنا :  

تمر خمس سنوات على رحيل والدي، وما زالت اللحظة الأثقل في غيابه ليست وفاته، بل غيابي أنا عنها.

توفي خلال جائحة كورونا، في زمن أغلقت فيه الحدود وتوقفت الرحلات، ولم يكن السفر ممكناً. رحل أبي، وبقيت أنا عالقاً على مسافة لم يستطع الزمن أن يختصرها، ولا الاعتياد أن يخفف ثقلها.

كان والدي شخصية سياسية وعسكرية معروفة في الأردن. خدم بلاده بإخلاص، وكان وفياً للتاج الهاشمي، مؤمناً بالدولة ومؤسساتها. أحبه كثيرون، وعارضه آخرون، وربما اشتد الخلاف معه حد الخصومة، لكن لا أحد يستطيع إنكار أنه عاش صاحب موقف، وتحمل كلفة قناعاته دون تردد. آمن بأن تطوير الحياة السياسية ضرورة لا ترفاً، ودافع عن فكرة الأحزاب باعتبارها طريقاً صعباً، لكنه الطريق الوحيد لبناء ديمقراطية حقيقية.

كل هذا الحضور العام، بكل ثقله ومسؤوليته، لم يمنحني فرصة الوداع.

لم أسمع صوته للمرة الأخيرة، لم أمسك يده، ولم أقل له ما يقوله الأبناء حين يشعرون أن الوقت يوشك أن ينفد. هناك وجع خاص في أن تفقد والدك وأنت عاجز عن الوصول إليه، لا بسبب تقصير أو اختيار، بل لأن العالم بأكمله كان مغلقاً في وجهك.

بعد خمس سنوات، لم يتلاش هذا الألم. تغير شكله فقط.

يظهر في لحظات النجاح حين أبحث عنه فلا أجده،

وفي القرارات المصيرية حين أحتاج رأيه،

وفي تفاصيل يومية صغيرة كنت أظنها عابرة، فإذا بها تستدعيه دون استئذان.

أكتب اليوم بصفتي ابناً، لا سياسياً ولا شاهداً على مرحلة، لأقول إن الجائحة لم تحرمنا فقط من أحبتنا، بل حرمتنا من وداعهم، ومن تلك اللحظة الإنسانية الأخيرة التي تمنح الفقد معنى أقل قسوة.

وأكتب لأقول إن والدي، مهما كان حضوره في الشأن العام كبيراً، يبقى في قلبي قبل كل شيء أباً رحل قبل أن أقول له:

لا ترحل الآن.

مواضيع قد تهمك