احمد حمد الحسبان : تحديث أم مخرجات أزمة إدارية؟
من حيث المبدأ أحسنت الحكومة صنعا أنها قامت بتسريب معلومة عن سعيها لدراسة فكرة التعطيل ليوم ثالث في الأسبوع. فقد تميزت عن كثير من الحكومات السابقة التي كانت تحيط توجهاتها بالسرية التامة لتفاجئنا بقرارات تعترف لاحقا بأنها متسرعة.
فما نفهمه من تلك الخطوة، أن الحكومة تسعى إلى سماع وجهة نظر الشارع، وصولا إلى حوار يسبق القرار رفضا أو قبولا. وهي سنة حميدة أنتجت مجموعة أفكار وثوابت، كانت أساسا لمسودة مشروع قانون الضمان الاجتماعي الذي تم وضعه على بداية المسار التشريعي المعتمد دستوريا. حيث أوكلت مهمة إجراء الحوارات حول مضامينه للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي أجاد المهمة وأنتج مسودة حظيت بتأييد شعبي وقطاعي واسع.
هذا من حيث المبدأ، أما من حيث المضمون، ومع أن الفكرة ما زالت في بداية مرحلة النقاش، فإنني أرى أن الحكومة بعرضها هذا المقترح تعبر عن أزمة إدارية مستفحلة، وعجز حكومي عن كيفية التعاطي معها والخروج منها.
فبعض الحكومات المتعاقبة، اجتهدت في إدخال أنماط إدارية مستوردة، وبعضها الآخر اجتهد في إدخال أنماط أخرى، وبعضها توسع في التعيين فوق الحاجة، وبعضها أفرط في فصل موظفين وإلحاقهم بالتقاعد المبكر بحجة التخفيف من الفائض الوظيفي لديها.
وتحت هذه العناوين سبق أن استحدثت هيئات مستقلة إلى جانب الوزارات المختصة، وتم توليد وظائف واختصاصات لتلك الهيئات، وتمسكت الحكومة بتلك الأنماط الإدارية بدعوى أنها أصبحت أمرا واقعا وحقوقا مكتسبة يصعب التراجع عنها.
فالواقع يؤشر إلى أن الحكومة ما زالت تعاني من عدة مشاكل إدارية، تتعلق بزيادة عدد الموظفين الحكوميين، وتدني إنتاجيتهم الفعلية، وارتفاع الكلف الإدارية، وضيق الأفق الإداري لدى الكثير ممن يتولون المواقع الإدارية المتقدمة.
فالأرقام تشير إلى أن عدد الموظفين في الجهاز الحكومي الأردني ـ بحسب آخر إحصائية ـ بحدود 218 إلى 223 ألف موظف وموظفة تبلغ رواتبهم نحو 65 % من النفقات الجارية في الموازنة العامة وهي أرقام كبيرة وكلفة رواتبها ترهق الموازنة. بينما يبلغ عدد أيام العمل الفعلية في الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة حوالي 240 إلى 250 يومًا في السنة، وذلك بناءً على نظام العمل لخمسة أيام في الأسبوع ـ من الأحد إلى الخميس وبواقع 7 ساعات يوميا. يتخللها 15 يوما لعطل ومناسبات دينية ووطنية.
لذلك، وفي محاولة للتخفيف من حدة المشكلة، التي يصعب إيجاد حل لها، قررت الحكومة في مطلع العام 2000، إضافة عطلة أسبوعية أخرى" السبت" إضافة إلى الجمعة. وهو القرار الذي لم يحظ بقبول واسع، قبل أن يتم التكيف معه ويصبح أمرا واقعا، رغم معاناة البعض من التقاطع بين مسؤوليات الوظيفة بين القطاعين العام والخاص. ومن تأخر الدوام باقي أيام الأسبوع للتعويض عن عطلة السبت.
فالقرار ترافق مع زيادة عدد ساعات الدوام اليومي للأيام الخمسة للحفاظ على عدد ساعات العمل الأسبوعي "35 ساعة".
ولأن المشكلة لم تجد حلا، فقد أقرت الحكومة العام الماضي 2025 تعليمات الدوام الرسمي والدوام المرن. ومن أشكاله التحكم في ساعات العمل، إضافة إلى العمل عن بعد، والعمل بالتناوب، ضمن مجموعة من الضوابط.
والآن، تقفز الحكومة إلى مشروع عطلة يوم ثالث مقابل زيادة عدد ساعات الدوام اليومي، بما يحافظ على عدد ساعات العمل المعتمدة، والتي لا تقل عن 35 ساعة أسبوعيا" 8 ـ 9 ساعات يوميا"، ما يعني تغييرا جذريا يصعب التكيف معه في حياة الموظفين وأسرهم. وسط تسريبات تتحدث عن كم من الأهداف المنتظرة، أبرزها تقليل كلفة إدارة المباني ووسائط النقل والطاقة. والاعتماد على ما تم من رقمنة في إنجاز المعاملات. أسوة ببعض الدول التي سبقت في اتخاذ مثل هذا القرار. والتي هي في الحقيقة كانت سباقة في تهيئة البنية التحتية الرقمية والإدارية اللازمة لكافة متطلبات مواطنيها والمقيمين فيها. ومعالجة كافة ثغرات القرار بما فيها انعكاساته السلبية على العملية الإنتاجية بشكل عام، وتبعاتها على القطاع الخاص.
وهي أهداف ـ إن تحققت فعلا ـ فهي غير كافية، وتأثيراتها محدودة بحكم أنه من غير الممكن أن تشمل قطاعي الصحة والتربية والتعليم. وهما أكبر قطاعين، وأكثرهما التصاقا بحياة المواطن اليومية. عدا عن أن الكثير من الخدمات لا يمكن تلبيتها إلا من خلال مراجعة دوائر حكومية.