الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : القانون الأردني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي

أ. د. ليث كمال نصراوين : القانون الأردني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي
أخبارنا :  

أثار قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يحظر بيع أراضي الضفة الغربية لليهود حالة واسعة من السخط على المستويين المحلي والدولي، وذلك لما ينطوي عليه هذا الإجراء من مساس مباشر بمنظومة الحماية القانونية الدولية التي تحكم وضع الأراضي المحتلة. فالقرار، في طبيعته وآثاره، لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري داخلي، بل يشكل خطوة تصعيدية في سياق إعادة هندسة الواقع القانوني والديمغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن منظور القانون الدولي، تُعدّ الضفة الغربية أرضا محتلة منذ عام 1967، ويخضع وضعها القانوني لاتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقيات جنيف الأربع، التي تفرض قيودا صارمة على سلطات الاحتلال، أهمها احترام القوانين النافذة في الإقليم المحتل، وعدم إجراء أية تغييرات تشريعية أو تنظيمية جوهرية عليه، إلا في الحدود الضيقة التي تقتضيها مصلحة السكان المحليين.

وتتضاعف خطورة القرار الإسرائيلي كونه يستهدف قانون إيجار العقار وبيعه لغير الأردنيين رقم (40) لسنة 1953، وهو تشريع أردني نافذ في الضفة الغربية قبل الاحتلال الإسرائيلي لها، واستمر العمل به بعد ذلك التاريخ بوصفه جزءا من النظام القانوني القائم في الإقليم المحتل. فأهمية هذا القانون لا تقتصر على كونه سابقا على الاحتلال فحسب، بل تمتد إلى كونه قد صدر عن سلطة دستورية أردنية مختصة، في الوقت الذي كانت فيه الضفة الغربية خاضعة للولاية القانونية الأردنية، وكان الهدف منه تنظيم تملّك غير الأردنيين للعقارات بما يحفظ المصلحة العامة، ويحول دون الإضرار بالبنية الديمغرافية لتلك الأراضي المحتلة.

وبذلك، فإن هذا القانون الأردني يندرج ضمن فئة التشريعات التي توجب اتفاقيات لاهاي على سلطة الاحتلال احترامها والإبقاء عليها، باعتبار أن تنظيم الملكية العقارية في إقليم يُعدّ، من منظور القانون الدولي، أرضا محتلة، لا يشكل مسألة إدارية داخلية محضة قابلة للتعديل أو الإلغاء بالإرادة المنفردة لدولة الاحتلال، بل يعد أداة قانونية أساسية للحفاظ على الطابع القانوني والدولي للإقليم المحتل.

وعليه، فإن تعطيل هذا القانون أو العبث به يشكل انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، سواء تم هذا النقل بالقوة المباشرة أو عبر أدوات تشريعية تضفي على الفعل غير المشروع مظهر المشروعية.

كما يتعارض هذا الإجراء مع القواعد الآمرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو مبدأ لا يجوز الاتفاق على مخالفته ولا التحلل من آثاره. وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ بوضوح في رأيها الاستشاري بشأن الجدار العازل عام 2004، حين شددت على أهمية التزام الدول بعدم الاعتراف بأي وضع قانوني ينشأ عن الإجراءات الإسرائيلية غير المشروعة في الأراضي المحتلة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استدامته.

ويتكامل هذا التكييف القانوني مع ما استقر عليه موقف مجلس الأمن الدولي في قراراته المتعاقبة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها القراران (242) و(338)، اللذان كرّسا مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأكدا ضرورة انسحاب دولة الاحتلال من الأراضي التي احتلتها عام 1967، بوصف ذلك شرطا لازما لأي تسوية قائمة على الشرعية الدولية. وقد تطور هذا الموقف بشكل أكثر صراحة في القرار (2334) لسنة 2016، الذي أكد بصورة قاطعة على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، واعتبرها انتهاكا صارخا للقانون الدولي.

ومن منظور المسؤولية الدولية، فإن هذا القرار الأحادي يرتب التزامات قانونية على دولة الاحتلال، أهمها الوقف تنفيذه بشكل فوري وضمان عدم تكراره، وذلك وفقا لقواعد القانون الدولي العام ومشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا. وفي بُعد آخر لا يقل خطورة، قد ترقى هذه القرارات إلى اعتبارها جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كونها تنطوي على جريمة نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، الأمر الذي يفتح الباب أمام المساءلة الجنائية الفردية للمسؤولين عنها، فالجرائم الدولية لا تحصنها الاعتبارات السياسية ولا تسقط بالتقادم.

أما من زاوية القانون الأردني، فإن القرار الإسرائيلي بإلغاء العمل بتشريع عام 1953 لا يرتب أي أثر قانوني، إذ إن هذا التنظيم لا يُلغى ولا يُعدّل إلا بقانون لاحق يصدر عن السلطة التشريعية المختصة ووفق الإجراءات الدستورية المقررة. وعليه، فإن قرارات سلطة الاحتلال لا تشكل مصدرا شرعيا لتعطيل أو إبطال أي نص وطني أردني، سواء من حيث الشكل أو المضمون.

خلاصة القول، إن محاولات إلغاء العمل بالقانون الأردني المنظم لبيع الأراضي في الضفة الغربية لا تعدو كونها إجراء أحاديا غير مشروع، صادرا عن جهة غير مختصة، وينتهك قواعد آمرة في القانون الدولي، ويكرّس واقعا استيطانيا غير قانوني. فهو إجراء باطل لا ينشئ حقا ولا يرتب أثرا قانونيا على الصعيدين الوطني أو الدولي، بقدر ما يشكل دليلا إضافيا على الطبيعة غير القانونية للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

ــ الراي

laith@lawyer.com

مواضيع قد تهمك