د. رامي كمال النسور : أبرز محطات 2025 واستشراف 2026
- السبت-2026-01-03 | 09:52 am
أخبارنا :
جاء عام 2025 محمّلاً بتقلبات اقتصادية غير مسبوقة، عكس خلالها العالم حالة من إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تسعير المخاطر.
فمن
تصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى تشدّد السياسات النقدية، ثم عودتها
الحذرة نحو التيسير، مروراً بتباطؤ النمو العالمي، وتصاعد النزعات
الحمائية، وجد المستثمرون وصنّاع القرار أنفسهم أمام بيئة اقتصادية معقدة،
تتطلب قراءة متأنية، وتحليلاً عميقاً. وفي هذا السياق، شكّلت أسواق السلع
والطاقة، إلى جانب العملات الرقمية وأسواق الأسهم العالمية والخليجية، مرآة
صادقة لهذه التحولات.
يستعرض هذا المقال أبرز المحطات الاقتصادية
التي ميّزت عام 2025، مع إطلالة مختصرة على ملامح عام 2026 في ظل عالم لا
يزال يبحث عن توازن جديد.
الذهب.. عام الأرقام القياسية: شهد عام
2025 قفزة تاريخية في أسعار الذهب، مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية،
واستمرار ضعف الدولار، وتزايد مشتريات البنوك المركزية. وعاد الذهب بقوة
كملاذ آمن، مؤكّداً دوره كأصل استراتيجي في زمن عدم اليقين.
أما عن توقعات سنة 2026 فهي استمرار الاتجاه الصاعد، ولكن بزخم أقل، وتذبذب أعلى، مع حساسية شديدة لأيّ تطورات، سياسية أو نقدية.
الفضة..
الرابح الصامت: لم تكن الفضة مجرّد تابع للذهب في 2025، بل برزت كمعدن
استراتيجي مزدوج الوظيفة، مستفيدة من الطلب الصناعي المتزايد في الطاقة
الشمسية والتقنيات الحديثة، إلى جانب دورها كملاذ آمن.
أما عن توقعات سنة 2026 فهي أسعار مرتفعة نسبياً، مدعومة بعجز المعروض، مع تقلبات أشدّ من الذهب.
البترول..
توازن هش بين السياسة والطلب: شهد عام 2025 حالة من التوازن الحذر في
أسواق النفط، حيث تداخلت سياسات خفض الإنتاج من تحالف «أوبك+» مع تباطؤ
الطلب العالمي، لا سيما من الاقتصادات الكبرى. وعلى الرغم من الضغوط
الجيوسياسية، ومخاطر الإمداد، بقيت الأسعار ضمن نطاقات مدروسة، تعكس سعي
المنتجين لتحقيق الاستقرار من دون خنق النمو الاقتصادي.
أما عن
توقعات سنة 2026، فهي استمرار التوازن الهش، مع احتمالية تقلبات حادة في
حال تصاعد التوترات الجيوسياسية، أو حدوث انتعاش مفاجئ في الطلب العالمي.
الغاز
الطبيعي.. وقود المرحلة الانتقالية: برز الغاز الطبيعي في 2025 كأحد أكثر
السلع الاستراتيجية حساسية للتطورات الجيوسياسية، خصوصاً في أوروبا، حيث
تداخلت اعتبارات أمن الطاقة مع التحول نحو مصادر أقل انبعاثاً. كما أسهم
توسع مشاريع الغاز المسال وإعادة رسم خرائط التوريد في إعادة تسعير السوق
عالمياً.
أما عن توقعات سنة 2026 فهي استمرار أهمية الغاز كلاعب
رئيسي في مزيج الطاقة العالمي، مع بقاء الأسعار رهينة الجغرافيا السياسية،
وسرعة التحول الطاقي.
العملات الرقمية.. بين التنظيم والنضج: شهد
عام 2025 تحولاً نوعياً في سوق العملات الرقمية، مع توسع الأطر التنظيمية،
ودخول مؤسسات مالية كبرى، ما منح السوق قدراً أكبر من الشرعية، على الرغم
من استمرار التذبذب العالي.
أما عن توقعات سنة 2026 فهي سوق أكثر نضجاً وانتقائية، تتراجع فيه المضاربات العشوائية لمصلحة المشاريع ذات القيمة الفعلية.
أسواق
الأسهم العالمية.. أداء متباين: اتسم أداء الأسواق العالمية في 2025
بالتباين، إذ حققت بعض الأسواق مكاسب مدفوعة بالذكاء الاصطناعي
والتكنولوجيا، بينما واجهت أخرى ضغوطاً بسبب تباطؤ النمو، وارتفاع كلفة
التمويل.
أما عن توقعات سنة 2026 فهو عام انتقائي بامتياز، تتصدّره
الشركات ذات الأسس المالية القوية، والقدرة على التكيف مع الحذر الشديد من
فقاعة قادمة.
أسواق الخليج.. صمود وتحوّل: أثبتت أسواق المال
الخليجية مرونتها إلى حد ما، في 2025، مدعومة باستقرار نسبي في أسعار
الطاقة، وإصلاحات هيكلية، وتوسع في الإدراجات، وتنويع القاعدة الاقتصادية.
أما
عن توقعات سنة 2026 فهي استمرار النمو المتدرج الحذر مع فرص أوضح في
قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والخدمات المالية، وترقب لما سيحدث في
أسواق البترول والأسهم العالمية.
الاقتصاد العالمي.. تباطؤ بلا
انهيار: لم يكن عام 2025 مجرّد عام آخر في سجل التقلبات الاقتصادية، بل كان
اختباراً حقيقياً لمرونة الأسواق، وقدرة المستثمرين على التكيف مع عالم
سريع التغيّر.
فقد أعادت الأصول الآمنة والطاقة والمعادن
الاستراتيجية صياغة دورها في محافظ الاستثمار، بينما فرضت الجغرافيا
السياسية والاقتصاد الكلي إيقاعهما على قرارات الأسواق. ومع اقتراب عام
2026، تبدو الصورة مفتوحة على سيناريوهات متعدّدة، حيث لن تكون العوائد لمن
يطارد الفرص فقط، بل لمن يحسن قراءة المخاطر، وإدارتها بوعي.
وفي عالم لم يعد الاستقرار فيه هو القاعدة، تبقى البوصلة الحقيقية هي الفهم العميق للتغيرات، لا الانجراف وراء الضجيج.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
الخليج