معالم وشخصيات أردنية في سجلات محكمة القدس الشرعية/ 1760م – 1919م
فادي عسكر
تزخر سجلات محكمة القدس الشرعية بوثائق ومعلومات غنية ترتبط بالمعالم والشخصيات الأردنية التي كان لها دور بارز على مختلف الأصعدة، وأسهمت إسهامًا رائدًا في بناء تاريخ الأردن العريق. وتعد هذه السجلات من أبرز المصادر الأولية التي وثّقت تفاصيل دقيقة عن تلك المعالم والشخصيات وأدوارها خلال الحقبة الممتدة من النصف الثاني من القرن الثامن عشر حتى بدايات القرن العشرين.
نسلط الضوء على أبرز هذه المعالم والشخصيات من خلال سلسلة مقالات بعنوان» معالم وشخصيات أردنية في سجلات محكمة القدس الشرعية (1760م – 1919م)»، مرفقة بوثائق وحجج شرعية، استكمالًا لسلسلة أعمالنا السابقة المعنونة بـ « المسيحيون الأردنيون في سجلات محكمة القدس الشرعية (1840م – 1919م)». ويأتي هذا العمل في إطار السعي لسدّ الفراغ في الأدبيات التاريخية التي أغفلت الاعتماد على سجلات محكمة القدس الشرعية بوصفها مصدرًا أوليًا ثريا يوثق بدقة هذا الجانب المهم من التاريخ الأردني العريق.
الوثيقة رقم (5)/ 1896م – النواحي الإدارية
(الدلابيح بني حسن، البطارسة/ قرية سوف، اللية/ قرية الدير)
يُعد المختار رأس الهرم الإداري في القرى والمُحَلّات والمدن والبساتين، ويتم اختياره عن طريق الانتخاب من قبل مجلس الاختيارية، الذي كان يضم من ثلاثة إلى اثني عشر عضوًا. ومن أبرز مهام المخاتير: مساعدة رجال الحكومة في تحصيل أموال الدولة المفروضة على السكان بموجب قرار مجلس الاختيارية، وإبلاغ مدير الناحية بما يقع من ولادات ووفيات، والمساهمة في القبض على المذنبين، ونشر الأمن في القرى والمُحَلّات، والمشاركة في أعمال مسح الأراضي وتسجيلها، وتقدير قيمة الضرائب المفروضة عليها، والمشاركة في تحرير أسماء السكان والأشخاص المتوفين في مناطقهم، والتعريف بأصحاب الدعاوى أمام المحاكم الشرعية، وتزكية الشهود في «الورقة المستورة» (السرّية) التي يُرسلها النائب الشرعي بخصوص قبول شهادتهم في الدعوى المنظورة أمام المحكمة الشرعية.
ويعتمد عدد المخاتير على عدد سكان القرية أو المحلة، وقد تعرضت سجلات المحاكم الشرعية العثمانية للعديد من الأسماء الذين تولوا منصب المخترة ومنهم كما دلت عليه وثيقة دعوى ثبوت الملكية المرفقة والمؤرخة من عام 1896م، والتي وثقت كذلك أسماء طرفي الدعوى، والشاهدين، وأعضاء الاخنيارية، وهم:
1- اعقيل ولد خليل ولد إبراهيم البطارسة الرومي، من أهالي قرية سوف من أهالي عجلون.
2- الشاهد راشد بن وراد بن عثمان من عشيرة عرب بني حسن من سكان البلقاء التابعة لقضاء عجلون، وقد تمت تزكيته سرا بالورقة المستورة من مصلح بن عواد الدلابيح، ومحمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أحمد، مختار وأعضاء اختيارية عشيرة عربان الدلابيح من بني حسن.
3- الشاهد عودة بن محمد بن طه الليات، من أهالي قرية الدير التابعة لقضاء عجلون، وقد تمت تزكيته سرا بالورقة المستورة من عبد المولى بن رضوان اللية، وعبد العزيز بن كايد، وسليم بن فارس، مختار وأعضاء قرية الدير.
من نص الوثيقة:
«بمجلس الشرع الشريف الأنور المنعقد بمحكمة القدس الشريف، لدى جناب صاحب الفضيلة السيد محمد طاهر أفندي الحسيني، مفتي القدس الشريف، الوكيل برؤية الأحكام الشرعية وقتئذ من قبل جناب سيدنا ومولانا الحاكم الشرعي، الموقع ختمه الكريم أدناه، دام فضله وزاد علاه، حضر اعقيل ولد خليل ولد إبراهيم البطارسة الرومي، من أهالي قرية سوف، من قضاء عجلون، وادّعى بمواجهة المدعى عليهما...، الواضعين أيديهما على جميع الثلاث بقرات، التي إحداهنّ لونها أصفر ذات صبحة صغيرة، والثانية لونها أسود وأرجلها وشديها أبيض وبين عينيها غُرّة، والثالثة صفراء أيضًا ذات صبحة كبيرة، المحضرات بهذه المحكمة بباب مجلس الدعوى، قائلًا في دعواه: إنّ هؤلاء البقرات الثلاث، وأشار إليهن، هنّ بتمامهن ملكي، اتصلن لي بالنتاج من بقراتي المملوكات... فأطلب التنبيه وتسليمهنّ لي بالوجه الشرعي....
فأحضر المدعي المذكور للشهادة كل من راشد بن وراد بن عثمان، من عشيرة عرب بني حسن، من سكان البلقاء التابعة لقضاء عجلون، وعودة بن محمد بن طه الليات، من أهالي قرية الدير، التابعة لقضاء عجلون أيضا، وشهدا بالمواجهة والانفراد، غب الاستشهاد الشرعي قائلين: نشهد بأن هؤلاء الثلاث بقرات، وأشارا إليهن، بتمامهن ملك هذا المدعي، اعقيل بن خليل البطارسة، اتصلن له بالنتاج من بقراته المملوكات له....
ثم صار تزكية أحد الشاهدين، راشد المذكور، أولا بالورقة المستورة، من مصلح بن عواد الدلابيح، ومحمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أحمد، مختار وأعضاء اختيارية عشيرة عربان الدلابيح من بني حسن المذكورة، وتزكية الشاهد الثاني عودة المذكور سرا بالورقة المستورة أيضا، من عبد المولى بن رضوان اللية، وعبد العزيز بن كايد، وسليم بن فارس، مختار وأعضاء قرية الدير المذكورة، وبعده صار تزكية الشاهدين المذكورين علنا بحضور مولانا حاكم الشرعية المشار إليه... وغب تحليف المدعي اعقيل المذكور، بموجب الشريعة، يمين الاستظهار الشرعي بالوجه الشرعي، حكم مولانا الحاكم الشرعي للمدعي اعقيل المذكور بكون الثلاث بقرات المذكورات ملك اعقيل المرقوم على الوجه المذكور حكما شرعيا... ونبه على المدعى عليه الحاضر المذكور بأن يسلم البقرات الثلاث للمدعي اعقيل المذكور، فحصل الامتثال الشرعي».
تُظهر الوثيقة التي استعرضناها، والمؤرخة عام 1896م، مدى الغنى الذي تنطوي عليه سجلات محكمة القدس الشرعية من معلومات تتعلّق بالجوانب الإدارية والاجتماعية في القرى والنواحي التابعة لقضاء عجلون، ومنها البلقاء وقرية سوف وقرية الدير. وقد أبرزت الوثيقة جانبًا مهمًا من النواحي الإدارية، وتحديدًا دور المخاتير في إدارة شؤون الأهالي، ومثال ذلك مصلح بن عواد الدلابيح، مختار عشيرة الدلابيح من بني حسن، الذي يُعد من الشخصيات البارزة في تلك الفترة.
كما تعكس الوثيقة بوضوح الأهمية الكبيرة التي كانت تحظى بها الثروة الحيوانية، والحرص على توثيق ملكيتها والاعتناء بها كمصدر دخل ووسيلة تنقل. ومن ناحية أخرى، تبرز الوثيقة مستوى راقيا من التعايش الاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين، الذين انخرطوا معا في بناء ونهضة مجتمعاتهم، يتمتعون بالحقوق ذاتها ويلتزمون بالواجبات نفسها، ضمن منظومة اجتماعية متماسكة، سارت وفق مبادئ العدالة والإنصاف في ظل القضاء الشرعي.
ويُعد هذا العمل خطوة في سبيل إعادة قراءة تلك السجلات وإبرازها كمصدر أصيل يمكن الاعتماد عليه وتوظيفه لدى المؤرخين والباحثين في التاريخ الأردني.