اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

ليث القهيوي : خطاب العرش واختبار المناعة الوطنية

ليث القهيوي  : خطاب العرش واختبار المناعة الوطنية
أخبارنا :  

لم يكن خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد مناسبة دستورية لتأكيد الثوابت الوطنية أو استعراض الأولويات، فقد جاء في لحظة أردنية دقيقة أعقبت الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الكرك، وفي ظل إقليم تتسع فيه دوائر الاضطراب وتتداخل فيه التهديدات الأمنية مع التحولات السياسية والاقتصادية. غير أن قراءة الخطاب من زاوية موضوعاته وحدها قد تحجب دلالة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة المرحلة التي يستعد الأردن لمواجهتها، وبالمعيار الذي ينبغي أن تقاس به قوة الدولة ومؤسساتها.


فبين الحديث عن الإرهاب والتماسك الوطني، والموقف من القضية الفلسطينية، ودور مجلس الأمة، وأثر التنمية في حياة المواطن، وأولوية الأمن المائي، وسيادة القانون، تتكرر في الخطاب مسألة تستحق قراءة خاصة: مسؤولية السلوك العام. فالبرلمان لا يقيم بالقوانين التي يقرها وحدها، بل أيضًا بما يصدر عنه من خطاب وممارسة، والوظيفة العامة ليست امتيازًا يمنح صاحبه مكانة، بل مسؤولية في خدمة الناس، والقانون لا ينبغي أن يتغير بتغير الاسم أو المنصب أو النفوذ، فيما لا تكتمل المشاركة الوطنية دون احترام حق الاختلاف وكرامة التعبير. ومن هنا، يمكن قراءة الخطاب باعتباره لا يحدد أولويات الدولة فحسب، بل يضع معيارًا لجودة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المسؤولية والممارسة، وبين ما تعلنه المؤسسات وما يلمسه المواطن في الواقع.
بدأ الخطاب باستذكار شهداء الاعتداء الإرهابي في الكرك، وتأكيد أن الأردن لن يسمح لمن يحاولون المساس بأمنه ووحدته بأن يجدوا مكانًا بينهم. ولم يكن هذا الاستهلال مجرد تعبير عن موقف حازم من الإرهاب، بل حمل رسالة تتعلق بالحدود الأخلاقية والوطنية التي لا يجوز تجاوزها، وبالمسؤولية الجماعية تجاه حماية العائلة الأردنية. لكن الدلالة الأبعد ظهرت في الانتقال من الحديث عن المؤسسات العسكرية والأمنية إلى التأكيد أن قوة الأردن تكمن أيضًا في شعبه، وفي وعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم عند الشدائد. وهذا الربط مهم؛ لأنه يجعل الأمن أكثر من قدرة على إحباط التهديدات، ويضع الوعي المجتمعي والثقة والانتماء ضمن عناصر حماية الدولة.
إن مواجهة التطرف لا يمكن أن تظل محصورة في الاستجابة الأمنية، على أهمية هذه الاستجابة وضرورتها، بل تحتاج إلى عمل وطني متكامل يحمي المجتمع من الأفكار التي تسعى إلى تفكيكه، ويعزز دور التعليم والثقافة والإعلام والمؤسسات الدينية في ترسيخ الاعتدال والمواطنة. وفي الوقت نفسه، فإن حماية الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء الاختلاف أو تضييق المجال العام، بل بناء مجتمع يمتلك من الوعي ما يسمح له بالاختلاف دون أن يتحول اختلافه إلى مدخل للإضرار بوحدته. وهذه نقطة تكتسب أهمية خاصة عند الانتقال إلى المحور السياسي في الخطاب، حيث تتصل منعة المجتمع بطبيعة المؤسسات التي تمثله، وبقدرتها على استيعاب التباين وتحويله إلى مشاركة مسؤولة.
وفي هذا الإطار، فإن إعادة تأكيد الموقف الأردني من القضية الفلسطينية لا تنفصل عن قراءة الأردن لمستقبل المنطقة ومصالحه الإستراتيجية. فالخطاب ربط الأمن والاستقرار الإقليميين بتلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وأكد أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تمثل أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمال شعوبها. وهذا الموقف يتجاوز حدود التعبير السياسي التقليدي؛ فالقضية الفلسطينية ترتبط مباشرة بالبيئة الإستراتيجية التي يتحرك فيها الأردن، وبما يمكن أن تنتجه سياسات فرض الوقائع بالقوة من تداعيات أمنية وسياسية وإنسانية طويلة الأمد. كما أن تأكيد استمرار الالتزام بالهوية العربية والدفاع عن قضايا الأمة عبر الأجيال يعكس ثباتًا في المرجعية السياسية الأردنية، دون أن يعني ذلك جمودًا في أدوات التعامل مع عالم تتغير فيه موازين القوة والتحالفات ومصادر التأثير. فالحفاظ على المبادئ يحتاج إلى دبلوماسية فاعلة وقراءة دقيقة للتحولات وقدرة على حماية المصالح الوطنية في ظروف إقليمية شديدة التعقيد.
لكن أحد أكثر محاور الخطاب أهمية في تقديري هو ما يتعلق بمجلس الأمة، ليس فقط بسبب التأكيد على دوره الدستوري والرقابي، وإنما بسبب المعيار الذي وضعه الخطاب للحكم على أدائه. فعندما يقال إن الأردنيين لا ينظرون إلى القوانين التي تصدر عن المجلس فحسب، بل إلى سلوكه وخطابه أيضًا، فإن المسألة تتجاوز جودة التشريع إلى طبيعة الثقافة السياسية التي تنتجها المؤسسة. وهذا يفتح نقاشًا أعمق حول معنى التمثيل النيابي: هل تقتصر مسؤولية النائب على نقل المطالب وإقرار القوانين، أم تمتد إلى تقديم نموذج في الحوار والمساءلة واحترام الاختلاف وتغليب المصلحة العامة؟
إن الاختلاف في الرأي يمكن أن يكون مصدر قوة، كما أكد الخطاب، لكن قيمته لا تتحقق بمجرد وجوده، بل بطريقة إدارته وبقدرته على إنتاج بدائل أفضل وكشف مواطن الخلل وتصويب السياسات. فالبرلمان الذي يحول الاختلاف إلى نقاش جاد ومساءلة مسؤولة يعزز الحياة السياسية، أما حين يصبح الخطاب استعراضًا أو استقطابًا أو تنافسًا على المصالح الضيقة، فإنه يفقد دوره في تمثيل المجتمع ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسة. ومن هنا، فإن المسؤولية التي يضعها الخطاب أمام مجلس الأمة ليست مسؤولية تشريعية ورقابية فقط، بل مسؤولية في بناء نموذج للحياة السياسية التي تستوعب التعددية وتحترم الدستور وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الآنية.
وهنا أصل إلى الفكرة التي أرى أنها تستحق أن تكون في قلب قراءة هذا الخطاب: إن منعة الدولة لا تتحدد فقط بكفاءة أجهزتها وقدرتها على اتخاذ القرار، بل أيضًا بنوعية السلوك الذي تمارسه مؤسساتها وأصحاب المسؤولية فيها. فالمؤسسة قد تمتلك الصلاحيات والتشريعات والهياكل، لكنها لا تكتسب ثقة المجتمع بصورة تلقائية؛ بل تتشكل هذه الثقة من عدالة ممارستها، ووضوح مسؤوليتها، واحترامها للمواطن، واتساق سلوكها مع ما تعلنه من مبادئ. ولذلك، فإن الإشارة إلى سلوك البرلمان وخطابه، ثم التأكيد على أن الوظيفة العامة خدمة وليست امتيازًا، وأن القانون لا يعرف اسمًا أو منصبًا أو نفوذًا، يمكن قراءتها بوصفها رسائل مترابطة تؤكد أن قوة المؤسسات تبدأ من أخلاقيات ممارسة السلطة، لا من امتلاكها وحده.
وهذا المعنى يتصل مباشرة بتأكيد الخطاب أن مصلحة المواطن ينبغي أن تكون في قلب كل قرار، وأن التنمية الحقيقية هي التي يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية وفرصه وتعليمه وصحته ومستقبل أبنائه. فالتنمية لا تقاس بحجم المشروعات المعلنة أو قيمة الاستثمارات وحدها، وإنما بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني من إنتاجية وفرص عمل وقيمة محلية، وبما تحققه من تحسن ملموس في نوعية الحياة. والدعوة إلى تسريع المشروعات الكبرى تكتسب أهميتها حين تتحول إلى نتائج قابلة للقياس، يشعر بها المواطن في حياته، لا حين تبقى في حدود الخطط والجداول والإعلانات. فالمواطن ليس متلقيًا نهائيًا لنتائج السياسات، بل هو المعيار الذي ينبغي أن تراجع في ضوئه أولوياتها وفاعليتها.
أما تكرار التأكيد على المياه بوصفها أولوية وطنية لا تقبل المساومة، فيكشف عن إدراك لموقع الأمن المائي في معادلة السيادة والاستقرار الأردني. فالمياه في حالة الأردن ليست مجرد خدمة أساسية أو تحد فني تتولاه جهة مختصة، بل مورد إستراتيجي تتصل إدارته بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي، وبقدرة الدولة على حماية استقلال قرارها. ولذلك فإن مواصلة المشروعات المائية ووضع الخطط الاستباقية لحماية الموارد يتطلبان رؤية متكاملة تشمل البنية التحتية وكفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة وعدالة التوزيع. فالمطلوب ليس فقط زيادة القدرة على توفير المياه، وإنما بناء قدرة وطنية مستدامة على إدارة مورد محدود في بيئة تتزايد فيها الضغوط والتحديات.
وعندما يؤكد الخطاب أن الوظيفة العامة تكليف وليست امتيازًا، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام موقعه، فإنه يعيد المساءلة إلى معناها الأساسي: لا قيمة للقانون إذا لم يشعر المواطن بأنه يحميه ويطبق على الجميع دون استثناء. كما أن تأكيد حق المواطنين في التعبير عن الشأن العام وصون كرامة الكلمة وآداب الاختلاف يضع مسؤولية موازية على المجتمع ومؤسساته؛ فحرية التعبير ليست نقيضًا للاستقرار، والنقد المسؤول ليس انتقاصًا من هيبة الدولة، بل وسيلة لاكتشاف الخلل ومناقشة السياسات وتصحيح المسارات. والتحدي الحقيقي هو بناء مجال عام يحمي الحق في الاختلاف، ويرفض في الوقت ذاته الإساءة والتحريض وتجاوز القانون، بما يجعل الحوار قوة للمجتمع لا سببًا في انقسامه.
وعند جمع هذه الرسائل، تتضح صورة أوسع من مجرد تعدد الأولويات؛ إذ إن الخطاب يربط بين حماية الأمن، وثبات الموقف الخارجي، ومسؤولية البرلمان، وأثر التنمية، وأمن المياه، وسيادة القانون، ضمن تصور متكامل لمنعة الأردن. لكن ترجمة هذا التصور لا تتوقف عند وضوح التوجيهات، بل تبدأ من قدرة المؤسسات على تحويلها إلى ممارسة متسقة، ومن استعداد أصحاب المسؤولية لأن يخضعوا للمعايير ذاتها التي يطالبون المجتمع باحترامها. فالفجوة بين الخطاب والممارسة ليست مسألة لغوية أو إدارية؛ إنها إحدى المساحات التي تتشكل فيها ثقة المواطن بدولته، وتتحدد من خلالها قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بشرعيتها العملية وتأثيرها.
إن التحدي أمام الأردن في المرحلة المقبلة لا يقتصر على حماية الاستقرار في مواجهة المخاطر، بل يمتد إلى تطوير نوعية الحياة السياسية والمؤسسية التي تجعل هذا الاستقرار أكثر رسوخًا وقدرة على الاستمرار. فالدولة القوية ليست التي تمنع الأزمات من الظهور فحسب، بل التي تمتلك مؤسسات تسمح بتصحيح الأخطاء، ومجتمعًا يشارك بوعي، وقانونًا يطبق بعدالة، واقتصادًا يوسع الفرص، وسياسة خارجية تحمي الثوابت والمصالح. ومن هنا، فإن من أهم ما يلفت في خطاب العرش أنه لا يضع المسؤولية على طرف واحد؛ بل يوزعها بين المؤسسات والمجتمع، ويعيد التذكير بأن قوة الأردن لا تصنع في لحظة الخطر وحدها، وإنما في تفاصيل الممارسة اليومية التي تحدد كيف تمارس السلطة، وكيف يدار الاختلاف، وكيف يعامل المواطن، وكيف تتحول الأولويات الوطنية إلى واقع.
منعة الأردن ليست مجرد قدرة على الصمود أمام العواصف، بل قدرة على بناء دولة تتماسك في أوقات الشدة، وتحسن إدارة اختلافها في أوقات الاستقرار، وتراجع أداء مؤسساتها باستمرار، وتحمي كرامة مواطنيها وحقوقهم ومصالحهم. وعندما يصبح السلوك العام على مستوى المسؤولية الوطنية، تتجاوز قوة الدولة حدود الحماية إلى القدرة على التجدد وصناعة المستقبل.

مواضيع قد تهمك