قراءة عميقة لمصطفى البرغوثي في نتائج الانتخابات الإسرائيلية .. هزيمة لنتنياهو
قال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي، إن النظام السياسي الإسرائيلي يمر بأزمة عميقة كشفتها نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، معتبرًا أن خسارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، والصعود غير المسبوق للأحزاب العربية، وضعا إسرائيل أمام مأزق سياسي قد يعيد رسم التحالفات الداخلية، في ظل تصاعد التحريض ضد الفلسطينيين في الداخل المحتل ومحاولات الحد من تأثيرهم على تشكيل الحكومة المقبلة.
وأوضح البرغوثي، في مقابلة مع قناة «المملكة» ، أن نتنياهو، رغم تمكنه من تجنب هزيمة انتخابية كاملة، لم يعد يمتلك الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده مع حلفائه، بعد تراجع معسكره بصورة كبيرة مقارنة بالكنيست السابق.
وأشار إلى أن الأهمية السياسية لنتائج الانتخابات لا تقتصر على خسارة معسكر نتنياهو عددًا من المقاعد، بل تتجاوز ذلك إلى التحول في مكانة الفلسطينيين في الداخل، بعدما حققت الأحزاب العربية تمثيلًا تاريخيًا بلغ 19 مقعدًا، ما جعلها طرفًا مؤثرًا في الحسابات البرلمانية ومفاوضات تشكيل الحكومة.
ثلاثة عوامل حالت دون هزيمة نتنياهو بالكامل
وعزا البرغوثي قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بقاعدة انتخابية واسعة، رغم تداعيات الحرب على قطاع غزة والأزمات السياسية والقضائية التي يواجهها، إلى ثلاثة عوامل رئيسية.
وقال إن العامل الأول يتمثل، وفق تقييمه، في التحول المتزايد نحو اليمين المتطرف داخل المجتمع الإسرائيلي، وما وصفه بتصاعد الخطاب العنصري تجاه الفلسطينيين والعرب، معتبرًا أن نتنياهو استفاد من هذا المناخ عبر توظيف المخاوف الأمنية في خطابه السياسي والانتخابي.
أما العامل الثاني، بحسب البرغوثي، فيتعلق بالأساليب الانتخابية التي استخدمها نتنياهو لتعزيز قوة حزب الليكود على حساب بعض حلفائه في المعسكر اليميني والديني، بما ساعده على الاحتفاظ بموقع الحزب الأكبر في الكنيست.
وانتقد البرغوثي بشدة ما وصفه بانتهازية نتنياهو السياسية واستعداده لاستخدام مختلف الوسائل لضمان بقائه في السلطة.
وحدد العامل الثالث في العلاقة الوثيقة بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أن الدعم السياسي الأميركي لعب دورًا في تعزيز موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال المعركة الانتخابية.
واتهم البرغوثي ترامب بالتدخل لمصلحة نتنياهو، مشيرًا إلى ما اعتبره مفارقة في اتهام الأحزاب العربية بالحصول على دعم خارجي، بينما يتجاهل معسكر الليكود، وفق قوله، التدخل الأميركي في المشهد الانتخابي.
أزمة عميقة وغياب الاختلافات الجوهرية بين المعسكرين
واعتبر البرغوثي أن نتائج الانتخابات عكست أزمة أعمق من مجرد تعثر تشكيل حكومة جديدة، تتعلق بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي واتجاهاته الأيديولوجية.
وقال إن التنافس الأساسي داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي بات يدور، بحسب وصفه، بين أحزاب يمينية وأخرى أكثر تطرفًا، في ظل تراجع الفوارق الجوهرية بين المعسكرات المتنافسة في القضايا المتعلقة بالفلسطينيين.
ورأى أن الخلاف بين معسكر نتنياهو ومعسكر غادي آيزنكوت يتركز بدرجة كبيرة على إدارة السلطة وشخص رئيس الوزراء، أكثر مما يتعلق بمراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.
وأضاف أن المعسكرين لا يقدمان، من وجهة نظره، تحولًا حقيقيًا في الملفات الأساسية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ومستقبل الحرب على قطاع غزة.
وشدد على أن استبدال نتنياهو بشخصية سياسية أخرى لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جوهري في الموقف الإسرائيلي من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
الأحزاب العربية تغير الحسابات السياسية
ووصف البرغوثي صعود الأحزاب العربية في انتخابات الكنيست بأنه أبرز التطورات التي شهدتها العملية الانتخابية، معتبرًا أن المشاركة الواسعة للفلسطينيين في الداخل عكست تحولًا في إدراكهم لأهمية تأثيرهم السياسي.
وقال إن الفلسطينيين في الداخل استخدموا صناديق الاقتراع وسيلة للتعبير السياسي السلمي في مواجهة السياسات التي يعتبرونها تمييزية، ونجحوا في تحويل مشاركتهم الانتخابية إلى قوة برلمانية يصعب تجاهلها.
وأضاف أن حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدًا يمثل إنجازًا انتخابيًا غير مسبوق، خصوصًا بعدما كان تمثيلها في الكنيست السابق عشرة مقاعد.
ورأى أن هذه النتيجة حرمت نتنياهو من القدرة على إعادة تشكيل حكومته السابقة، ووضعت الأحزاب العربية في موقع مؤثر بالنسبة إلى المعسكرين الرئيسيين.
وأشار إلى أن المشهد الجديد يعني أن تشكيل حكومة تتمتع بأغلبية مستقرة قد يتطلب تعاونًا مع الأحزاب العربية أو إعادة ترتيب التحالفات بين الأحزاب اليهودية نفسها.
واعتبر أن ما يثير قلق اليمين الإسرائيلي هو تحول التمثيل العربي من قوة برلمانية محدودة التأثير إلى طرف قادر على التأثير في التوازنات السياسية، وليس مجرد الاعتراض على القرارات الحكومية.
البرغوثي ينتقد التحريض على الناخبين العرب
وانتقد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية حملة التصريحات والاتهامات التي استهدفت الأحزاب العربية عقب ظهور نتائج الانتخابات، معتبرًا أنها تعكس عدم تقبل بعض القوى السياسية الإسرائيلية للنتائج التي أفرزتها مشاركة الفلسطينيين في الداخل.
وقال إن اتهام الأحزاب العربية بتلقي دعم خارجي، والتشكيك في شرعية تأثيرها السياسي، يأتيان في سياق محاولة التقليل من قيمة أصوات الناخبين العرب والحد من قدرتهم على التأثير في تشكيل الحكومة.
واعتبر أن هذه المواقف تكشف، من وجهة نظره، تناقضًا بين الخطاب الديمقراطي الإسرائيلي والممارسة السياسية تجاه المواطنين العرب الذين يتمتعون قانونيًا بحق التصويت والترشح.
وأشار إلى أن التعامل مع الأصوات العربية باعتبارها تهديدًا لمجرد قدرتها على التأثير في نتائج الانتخابات يعكس، بحسب رأيه، أزمة في الاعتراف بالمساواة السياسية بين الناخبين.
ولفت إلى أن قوة الأحزاب العربية الجديدة تفرض تحديًا على المعسكرات الإسرائيلية التي تعارض نتنياهو، لأنها أصبحت مطالبة بحسم موقفها من التعاون البرلماني مع ممثلي الفلسطينيين في الداخل.
هل تقبل المعارضة الإسرائيلية دعم الأحزاب العربية؟
ورأى البرغوثي أن أحد الأسئلة الحاسمة خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مدى استعداد غادي آيزنكوت والأحزاب المتحالفة معه لقبول دعم الأحزاب العربية من أجل تشكيل حكومة بديلة.
واعتبر أن تحقيق ذلك سيكون صعبًا بسبب المواقف السياسية والأيديولوجية السائدة داخل الأحزاب الإسرائيلية المعارضة لنتنياهو.
وقال إن المعضلة الأساسية تتمثل في المفاضلة بين استمرار رفض التعاون السياسي مع الأحزاب العربية، والرغبة في إنهاء حكم نتنياهو.
وأوضح أن قدرة المعارضة على تشكيل حكومة جديدة لن تتوقف على عدد المقاعد وحده، بل ستعتمد أيضًا على استعداد الأحزاب المختلفة لتغيير مواقفها بشأن التحالفات البرلمانية.
وأشار إلى أن الأولوية التي ينسبها إلى الأحزاب العربية تتمثل في إخراج حزبي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير من السلطة، ومنع نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، في ظل السياسات التي يتبناها هؤلاء تجاه الفلسطينيين.
تغيير رئيس الكنيست قد يفتح مواجهة جديدة
وحذر البرغوثي من أن الصراع السياسي المقبل قد يبدأ داخل الكنيست نفسه، حتى قبل حسم هوية رئيس الحكومة الجديدة.
وأشار إلى إمكانية استفادة المعارضة من أصوات الأحزاب العربية من أجل تغيير رئيس الكنيست، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تشكل تحولًا في موازين القوى البرلمانية.
ورأى أن تغيير رئاسة الكنيست قد يمنح المعارضة مساحة أكبر للدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق في الإخفاقات التي رافقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومساءلة الحكومة الإسرائيلية عن قراراتها خلال تلك المرحلة.
وقال إن هذا الاحتمال يمثل مصدر قلق لنتنياهو، الذي يواجه أصلًا محاكمة في قضايا فساد، إلى جانب انتقادات تتعلق بإدارة الحرب والإخفاقات الأمنية.
واعتبر أن التصعيد ضد الأحزاب العربية يرتبط أيضًا بمحاولات التأثير في الترتيبات السياسية والبرلمانية التي ستعقب الانتخابات.
أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة الإسرائيلية
وحدد البرغوثي أربعة مسارات محتملة للأزمة السياسية الإسرائيلية، مؤكدًا أن التطورات المقبلة ستتوقف على قدرة المعسكرات المختلفة على بناء تحالفات جديدة.
السيناريو الأول: حكومة وحدة تُبقي نتنياهو في السلطة
رجح البرغوثي احتمال سعي نتنياهو، بمساعدة سياسية من إدارة ترامب وفق تقديره، إلى استقطاب أحزاب من معسكر آيزنكوت وتشكيل حكومة وحدة أو ائتلاف موسع.
وقال إن هذا الخيار قد يسمح لنتنياهو بالبقاء في الحكم خلال المرحلة المقبلة، مع احتمال العودة إلى انتخابات جديدة بعد فترة من التفاهمات السياسية.
السيناريو الثاني: حكومة بديلة بدعم الأحزاب العربية
يتمثل الاحتمال الثاني، وفق البرغوثي، في قبول معسكر آيزنكوت الاستناد إلى دعم الأحزاب العربية لتشكيل حكومة أقلية أو ائتلاف بديل يخرج نتنياهو من رئاسة الحكومة.
واعتبر أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام تحولات في موازين القوى السياسية وفي ملف المساءلة عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
السيناريو الثالث: استمرار نتنياهو في حكومة انتقالية
أما السيناريو الثالث، فيقوم على فشل الطرفين في تشكيل حكومة جديدة، واستمرار نتنياهو في إدارة حكومة تصريف الأعمال خلال الفترة الانتقالية.
وحذر البرغوثي من أن هذا الخيار قد يحمل مخاطر إضافية على الفلسطينيين، مع احتمال تصاعد السياسات العسكرية والأمنية في غزة والضفة الغربية، وفق تقديره.
السيناريو الرابع: التوجه إلى انتخابات جديدة
ويتمثل المسار الأخير في استمرار الانسداد السياسي والفشل في تشكيل ائتلاف حكومي، ما قد يدفع إسرائيل إلى إجراء انتخابات جديدة.
وأشار إلى أن المرحلة التي تسبق أي انتخابات إضافية ستكون شديدة الحساسية، في ظل المنافسة السياسية الداخلية واحتمال استخدام الملفات الأمنية لتعزيز المواقف الانتخابية.
لا تغيير جوهريًا متوقعًا تجاه الفلسطينيين
وفيما يتعلق بتأثير نتائج الانتخابات على القضية الفلسطينية، استبعد البرغوثي أن يؤدي تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده إلى تحول جذري في السياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين.
وقال إن القوى السياسية الإسرائيلية الرئيسية، وفق تقييمه، تتقاطع في رفض إنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، فضلًا عن استمرار السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية.
وأضاف أن الخلافات بين نتنياهو وخصومه لا تعكس بالضرورة اختلافًا جوهريًا بشأن القضايا الفلسطينية الأساسية، معتبرًا أن السياسات المتعلقة بقطاع غزة والضفة الغربية ستظل مرتبطة بالمواقف السائدة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
وانتقد البرغوثي استمرار تمسك السلطة الفلسطينية بمسار اتفاق أوسلو وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية وفق الأطر السابقة، معتبرًا أن التطورات الإسرائيلية تفرض إعادة تقييم هذا النهج.
ورأى أن المطلوب فلسطينيًا هو تطوير استراتيجية سياسية وطنية تستند إلى الحقوق الفلسطينية وتواجه استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني.
مشاركة فلسطينيي الداخل تحمل دلالات تتجاوز الكنيست
وفي ختام المقابلة، قال البرغوثي إن أهمية النتائج الانتخابية تتجاوز حدود تشكيل الحكومة الإسرائيلية، لأنها تعكس، من وجهة نظره، تنامي الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الداخل بأهمية التنظيم والمشاركة الجماعية.
واعتبر أن التطور في التمثيل البرلماني العربي يمثل جزءًا من مسارات متعددة يتحرك من خلالها الفلسطينيون في الداخل والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، رغم اختلاف ظروفهم وأدوات عملهم السياسي.
وأشار إلى أن نتائج الانتخابات أظهرت قدرة فلسطينيي الداخل على التأثير في التوازنات السياسية الإسرائيلية، بعدما اعتادت الأحزاب الكبرى التعامل مع أصواتهم باعتبارها عاملًا ثانويًا.
وخلص البرغوثي إلى أن النظام السياسي الإسرائيلي يواجه مرحلة من عدم الاستقرار، وأن صعود الأحزاب العربية وتراجع أغلبية نتنياهو سيبقيان عنصرين أساسيين في تحديد طبيعة التحالفات والمواجهات السياسية خلال الأسابيع المقبلة.