المفتي د. محمد حسن الرواشدة : جناية الغلو على الأوطان، ودحض شبهات أهل الزيغ والعدوان
الحمد لله الذي جعل الشريعة سمتها السماحة، وصير الأوطان بالأمن والعدل وافرة صالحة، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المهداة، والعروة الوثقى لمن اتبع هداه، وعلى آله وصحبه الأبرار، حماة الدين وخيار الأخيار، أما بعد:
فإن أحداث الكرك الأبية، بما حملته من فعل الغلاة الجناة من رزية، لم تكن مجرد خرق للسكينة والأمان، بل كانت نازلة تكشف عن الأفكار المقيتة المشوهة في عقول أهل الطغيان؛ حيث استُهدف فيها الشريك في الوطن ومن حماة الديار الأمنيين، وإن تعرية هذا الفكر المارق، ودحض شبهاته بالبرهان الصادق، لهو من أوجب الواجبات الشرعية، ليبقى هذا الحمى مصونا عن النزعات الجاهلية.
أولًا: حرمة دماء المسيحيين والمستأمنين وأصالة العيش المشترك
لقد ظن خوارج العصر أن التباين في الملل، يبيح سفك الدماء وإشعال الفتن والعلل، وهذا عين الضلال والمحق، فالإسلام قد حمى أهل الكتاب في الأنفس والأموال، قال الله تعالى في محكم التنزيل: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8] فمن كان من أهل المواطنة على مر الزمان، فإن دمه معصوم بعقد شرعي وثيق، لا يجوز نكثه بأي شكل وطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها توجد من مسيرة أربعين عاما". رواه البخاري.
وإذا نظرنا في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وهو المذهب الرصين المعمول به في بلدنا الأمين، نجد العلماء قد أصلوا لحرمة دماء إخواننا في المواطنة تعظيما وتفخيما، يقول الإمام الشافعي في كتابه "الأم": (فإذا أعطى الإمام أو من يجوز عقده الأمان لقوم... لم يجز لأحد من المسلمين قتلهم ولا أخذ شيء من أموالهم) ويؤكد حجة الإسلام الإمام الغزالي الشافعي في "الوجيز" أن عقد الأمان والذمة يوجب الكف عن الأنفس والأموال، ويجعل التعدي عليها خروجا عن جادة الشرع في كل حال، فكيف يجترئ هؤلاء المارقون على نقض عهود شرعية، قررتها الفتاوى الفقهية المرعية؟!
ثانيًا: دحض شبهات أهل التكفير والخروج
لقد تمسك هؤلاء البغاة بشبهات كسراب بقيعة، تصد عن الحق وتخالف صريح الشريعة، ومن أبرزها:
الشبهة الأولى: تشويه مفهوم "الولاء والبراء" لمعاداة المسيحيين: يزعمون أن البراء يقتضي الاستئصال والقتل، وهذا جهل بالسياق والنقل؛ فكيف تبيح لك الشريعة أن تتزوج كتابية ولك أن تحبها محبة الزوجة وتصونها وتحميها ولك مع أهلها وشائج النسب ولهم معك وشائج المصاهرة، ولقد أحب نبينا عمه أبا طالبٍ والقرآن بهذا الحب ناطقٌ، فمرادهم بالبراء عد الإقرار بما يخالف الشريعة من اعتقاد، ولم يكن بحالٍ من الأحوال قطعاً لأسباب البر والعدل بين العباد.
يقول الإمام النووي الشافعي في "شرح صحيح مسلم" عند الحديث عن صلة غير المسلمين: "وأما برهم وصلتهم والإحسان إليهم فمندوب إليه، ولا سيما إذا كانت بينهم وبين المسلمين قرابة أو جوار"، فكيف يقلب الندب للإحسان، إلى قتل وغدر وعدوان؟
الشبهة الثانية: تكفير رجال الأمن واستباحة دمائهم: يرمي هؤلاء الغلاة حماة الوطن بالتكفير، ليبيحوا دماءهم بغير نكير. وهذا هو عين مسلك الخوارج الأولين، الذين كفروا الصحابة الميامين، وقد جاء في الحديث الشريف: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (رواه البخاري)، ويقول الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في "فتح الباري": "فيه التحذير الشديد من تكفير المسلم بما لم يوجب تكفيره، فإن من فعل ذلك خيف عليه أن يقع فيه".
ثالثًا: جناية الغلو على مقاصد الشريعة واستقرار الأوطان
إن الشريعة الغراء جاءت لتحفظ الكليات الخمس، وتشرق بنور العدل كما تشرق الشمس، فعمد هؤلاء المارقون إلى قلب هذه المقاصد، فأفسدوا في الأرض بكل فعل حاسد، قال الله تعالى: {وإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}، "البقرة: 205"
وما فعلوه في الكرك الشامخة، من ترويع للنفوس الآمنة، هو هدم لبنيان المجتمع، وإغلاق لأبواب الرحمة والمنفعة وقد نص فقهاء الشافعية على أن كل من خرج لقطع الطريق أو ترويع الآمنين بالسلاح، فإنه يعامل معاملة المفسدين البغاة، وتجب مقاتلته دفعا لشره عن العباد والبلاد.
خاتمة النظر وسداد الأثر
إن دماء الأبرياء في الكرك، قديماً وحديثاً بما فيهم رجال الأمن البواسل والمواطنون الأفاضل، ستبقى شاهدة على أن الأردن جسد واحد لا يقبل الانقسام، وبنيان مرصود يأبى الانفصام، وإن لجام هذا الفكر الضال، يكون بأخذ الفتوى من أهل العلم والأعدال، وتحصين النشء بالعلم الرصين، المستمد من نقول الأئمة المعتبرين، ليظل هذا الوطن وعاء للأمن، ومنارة للسلام واليمن.
ــ الراي