اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : التجنيد الرقمي ومداخل التأثير النفسي والفكري

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : التجنيد الرقمي ومداخل التأثير النفسي والفكري
أخبارنا :  

قد يبدأ التجنيد الرقمي بكلمة اهتمام، وينتهي باستغلال الثقة لتغذية الكراهية والعنف. وبين البداية والنهاية، قد تظن الأسرة أن طفلها منشغل بلعبة، بينما يبني خلف الشاشة علاقة لا تعرف عنها شيئًا.

تزداد خطورة هذه العلاقات حين تستهدف اليافع في مرحلة يبحث فيها عن التقدير والانتماء، ويحاول فيها تكوين صورته عن نفسه والعالم من حوله. وقد يستغل أفراد أو جماعات هذه الاحتياجات، فيبدأ الاستدراج بالثناء أو الاهتمام المشترك، ثم يتدرج إلى طلب السرية، ومحاولة عزل الطفل عن أسرته، وتغذية العداء للآخرين، وصولًا في بعض الحالات إلى تبرير التطرف والعنف. فالإنترنت لا يقود حتمًا إلى هذه النتيجة، لكن العلاقة الرقمية قد تتحول إلى أداة للتلاعب النفسي والفكري.

ومن خلال الورش التفاعلية التي نفذتها مع اليافعين، برزت ملاحظتان تستحقان الانتباه: الحاجة إلى تعزيز المعرفة بالمخاطر الرقمية، والحاجة إلى مساحة حوار تتيح لليافع التعبير عن أسئلته ومخاوفه دون أحكام مسبقة أو إجابات جاهزة. كما ظهر أن التقدير والاهتمام والتحفيز ليست تفاصيل هامشية في حياة اليافع؛ فهي احتياجات إنسانية أساسية، وقد تتحول إلى مدخل للاستغلال عندما يجد من يمنحه الاهتمام خلف الشاشة، بينما لا يجد مساحة كافية لمناقشة ما يشغله في محيطه القريب. وقد تضيق مساحة الحوار داخل الأسرة أو المدرسة تحت ضغط الانشغال اليومي، أو تتحول العلاقة إلى توجيهات متكررة لا تمنح اليافع فرصة لشرح أفكاره وفهم ما يتعرض له. وهنا تبرز أهمية الإصغاء، كوسيلة لفهم احتياجاته وتعزيز قدرته على التمييز بين الاهتمام الصادق ومحاولة استغلال ثقته.

وتشير الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال في الأردن، التي أُنجزت بالتعاون مع اليونيسف، إلى أن 13.2% من الأطفال في الفئة العمرية 8-17 عامًا تعرضوا لشكل واحد على الأقل من العنف عبر الإنترنت. وهذا المؤشر يتناول العنف الرقمي عمومًا، ولا يقيس التجنيد للتطرف تحديدًا، لكنه يوضح أن المخاطر الرقمية جزء من واقع يستدعي استجابة عملية.

لهذا، لا ينبغي اختزال حماية الأبناء في تحديد ساعات استخدام الهاتف أو منع بعض التطبيقات. الأهم أن يعرف الأهل ما يشغل أبناءهم، ومن يتواصل معهم، وأن ينتبهوا إلى طلبات السرية أو الضغوط التي تدفع الطفل إلى إخفاء محادثاته. ولا تعني الحماية تحويل البيت إلى مساحة تفتيش دائم؛ فالطفل الذي يخشى التوبيخ قد يخفي المشكلة بدل طلب المساعدة.

وللمدرسة دور يتجاوز التحذير من مخاطر الإنترنت إلى تدريب الطلبة عمليًا على كشف التضليل والاستمالة والتحريض على الكراهية، والتحقق من مصادر المعلومات، والتصرف الآمن عند التعرض للاستغلال. ويمكن للأنشطة التطبيقية القائمة على مواقف افتراضية أن تساعدهم على اكتشاف إشارات الخطر واتخاذ القرار المناسب؛ فالمعرفة تصبح أكثر فاعلية حين تتحول إلى مهارة قابلة للتطبيق. تتطلب الحماية شراكة بين الأسرة والمدرسة والجهات المختصة والمنصات الرقمية، تبدأ بالحوار والثقة، وتنمّي التفكير النقدي، وتمنح اليافع الأمان لطلب المساعدة والتمييز بين الاهتمام الصادق والاستغلال.

مواضيع قد تهمك