راكان السعايدة : هل تقع المواجهة بين الأردن و"إسرائيل"؟
راكان السعايدة
سؤال المواجهة أو الحرب بين الأردن و"إسرائيل" يحتمل إجابتين: نعم أو لا، لكن الأهم من الإجابة نفسها هو السياق الذي يمكن أن يقود إليها، لأن الحرب لا تبدأ بالضرورة بقرار مفاجئ، وإنما قد تسبقها مسارات ومتغيرات تتراكم حتى تجعل المواجهة احتمالاً واقعياً.
لذلك، فإن الإجابة عن هذا السؤال لا نستنتجها من التوقعات، بل من تدقيق ظروف الواقع، وما إذا كانت معطياته تمضي باتجاه مواجهة أم لا.
وهذه الظروف تتصل بما تُحدِثه "إسرائيل" من متغيرات على حدودنا الغربية، في الضفة والقدس، وعلى حدودنا الشمالية، في جنوبي سوريا، لأن كل متغير هناك قد تكون له تأثيرات عميقة على الأمن القومي الأردني، وقد تنتقل من مجرد التأثير إلى التهديد المباشر.
من هنا، فإن مقاربة الأردن لهذه المتغيرات لا بد أن تقوم على مراقبة تراكمها، وتقدير أبعادها، وقياس مخاطرها، ثم بناء استراتيجيات التصدي على أساسها.
في الضفة والقدس..
حسمت قوى اليمين واليمين المتطرف، وحتى قوى تصف نفسها بالوسطية، موقفها الرافض لإقامة الدولة الفلسطينية، وهذا ليس جديداً، فمن الواضح أن قوى إسرائيلية مؤثرة، ومنذ اتفاق أوسلو، ظلت ترفض قيام دولة فلسطينية، لكنها في السنوات الثلاث الأخيرة جعلت هذا الرفض أكثر علنية، بل وبات لدى قطاعات مؤثرة سياسة رسمية.
اليوم يتم إغراق مناطق في الضفة الغربية، وبخاصة المنطقة (ج) وأجزاء من (ب)، بمئات البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية، كما أدى إرهاب المستوطنين دوره في تهجير قرى وتجمعات فلسطينية لإفراغها، فهم يريدون أرضاً بلا سكان.
وبلغ التضييق مستويات قياسية؛ مصادرة الأراضي وهدم المنازل وتزايد الحواجز والعوائق على الطرقات والتضييق الاقتصادي.
كذلك الاقتحامات اليومية للمدن والقرى الفلسطينية، بما فيها مقدسات القدس، التي ارتفعت وتيرة إجراءات تهويدها، مدينةً ومقدسات، بإقامة طقوس دينية بشكل متزايد وعلني، والتضييق على دور الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
هذه السياسات "الإسرائيلية"، وكل إجراء مرتبط بها، هدفها خلق بيئة شاقة لدفع الفلسطينيين خارج أراضيهم؛ أي خارج الضفة والقدس وغزة، لتبدو مغادرتهم كأنها طوعية، فيما هي في حقيقتها تهجير قسري.
هنا يصبح الضم الكامل للضفة الغربية، أو لأجزاء منها، أكثر من مجرد تغيير في الجغرافيا السياسية للضفة؛ إذ قد يدفع بمئات الآلاف نحو الأردن للنجاة بأنفسهم، بل إن "إسرائيل" قد تخطط لما هو أبعد من ذلك.
أي في اتجاهين متلازمين: أولاً، أن يستوعب الأردن من يتم تهجيرهم إليه، وثانياً، أن يُضغط عليه للقبول بدور أمني وإداري في المنطقة (أ) وأجزاء من (ب)، مع هيمنة وسيطرة أمنية "إسرائيلية" على عموم الضفة الغربية، كما تقترح "خطة ليبرمان".
هذان الأمران، إن حدثا، سيكونان خطراً مركباً على الأردن، فلا الداخل الفلسطيني سيقبل بهذه الصيغة، ولا الأردنيون سيقبلون بها، وما هو واضح إلى الآن أن الموقفين الرسميين الأردني والفلسطيني يرفضان هذه المسارات، ويتمسكان بإقامة الدولة الفلسطينية.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كنا نرفض، نحن والعالم معنا، وإنما في مدى الأثر الذي يتركه هذا الرفض على "إسرائيل" واتجاهاتها السياسية التي تترجم يومياً على الأرض؟
والخطر على الأردن هنا لا يرتبط فقط بحجم ما يجري في الضفة والقدس، وإنما بالنقطة التي تتحول فيها هذه السياسات من تغيير في الواقع الفلسطيني إلى فرض أعباء سياسية وأمنية مباشرة على الأردن.
في جنوب سوريا..
الخطر القادم من جنوب سوريا لا يقل أهمية عن القادم من الضفة الغربية، لأن متغيرات جنوب سوريا تصبح تهديداً طويل المدى لأمن الأردن ومصالحه إذا ما تحولت إلى واقع دائم.
والخطر لا يكمن فقط في سيطرة "إسرائيل" على مصادر المياه المشتركة في حوض اليرموك، بل أيضاً في تطويق الأردن من غربه وشماله.
وفي ظني، يمكن قراءة السلوك "الإسرائيلي" في جنوب سوريا باعتباره سعياً إلى منع قيام سوريا دولة مستقرة وقوية بما يمكن أن يشكل تهديداً لمصالحها، خصوصاً مع تنامي النفوذ التركي، والأهم من ذلك أن سوريا المستقرة تصبح عقدة مواصلات، وممراً للطاقة من الخليج إلى تركيا والمتوسط، ما قد يلغي فكرة أن تمر الطاقة عبر "إسرائيل" إلى المتوسط.
وهذا، ربما، أحد التفسيرات لإصرار "إسرائيل" على البقاء، بل والتمدد، في جنوب سوريا، ودعم السويداء لتستقل بذاتها أو تبقى خارج حكم الدولة السورية.
وإذا ما تمكنت "إسرائيل" من تكريس منطقة نفوذ ممتدة في الجنوب السوري، وفي سياق ما يطرح تحت مسمى "ممر داود"، فقد يخلق ذلك واقعاً يفصل الأردن عن عمقه السوري، ويجعل "إسرائيل" خياراً إجبارياً لممرات الطاقة باتجاه المتوسط، وعملياً يمنحها هذا مزيداً من القوة والنفوذ والهيمنة في الإقليم.
هنا نسأل: هل هناك ما هو أكثر ضرراً، بل وخطراً، على مصالح الأردن، أمنياً ومائياً واقتصادياً، من ذلك؟
فـ"إسرائيل"، في هكذا حال، لا تصبح فقط تهديداً حدودياً، بل تصبح معطلاً، أو متحكماً، في قيمة جغرافيا الأردن الاستراتيجية كعقدة مواصلات وممرات محتملة في ترتيبات مستقبل المنطقة.
والخطر، إذن، لا يُقرأ في كل مسار منفرداً، وإنما في تزامن المسارين، غرباً وشمالاً؛ ففي الوقت الذي تتغير فيه البيئة السياسية والأمنية في الضفة والقدس، تتغير البيئة الاستراتيجية في جنوب سوريا، وهذا معناه إغادة تشكيل البيئة المحيطة بالأمن القومي الأردني من جهتين.
إذن، وأمام هذه المتغيرات وتحولاتها ومعطياتها، نعود إلى السؤال الأصعب: هل يمكن أن تصل هذه المسارات بالأردن و"إسرائيل" إلى مواجهة عسكرية؟
لن أجيب عن السؤال بإجابة حاسمة: نعم أو لا؛ لأن الإجابة، كما أسلفت، لا تُستخرج من التوقع، وإنما من المسار الذي تشكّله الأحداث على الأرض.
فحتى لو كانت "إسرائيل" لا تسعى إلى المواجهة مع الأردن، لأنها تدرك أن كلفتها ستكون كبيرة، فإن المسار الذي تمضي فيه في الضفة وسوريا يجعل المواجهة احتمالاً قائماً في الحسابات؛ إما بتراكم المتغيرات، أو بسوء تقدير يؤدي لخطوة "إسرائيلية" غير محسوبة تكسر الخطوط الأردنية الحمر وتشعل المواجهة.
فالحروب عادة لا تقوم لأن طرفاً أرادها وقررها، وإنما عندما تتجاوز الوقائع قدرة الأطراف على ضبطها أو احتمالها.
ذلك أن الأخطار التي تفرضها السياسات "الإسرائيلية" على الأردن كبيرة، خاصة عندما تنتقل من صناعة الوقائع بالتدريج إلى الحسم النهائي الذي يمس مباشرة بمصالحه عبر: تهجير واسع باتجاهه، وفرض واقع جديد في القدس يمس بالوصاية، والسيطرة على مصادر مائية مشتركة، وقطع التواصل الجغرافي مع سوريا وتغيير البيئة الأمنية الاستراتيجية على الحدين، الشمالي والغربي.
وإذا ما مضت "إسرائيل" في هذه الإجراءات كلها، أو في أغلبها، فإن السؤال عن حجم الخطر يساوي بالأهمية السؤال عن القدرة على احتوائه.
عند ذلك، وإذا لم تتدخل القوى الدولية والأممية المؤثرة، وعلى رأسها أميركا والصين وأوروبا، لإجبار "إسرائيل" على أن تتراجع عن إجراءاتها ومخططاتها، فإن الأردن لن يكون أمام خيار من متعدد، بل قد تضعه التهديدات المباشرة فعلياً أمام خيار إجباري واحد: المواجهة.
فالمواجهة وحدها، إذا وقعت، لن تبقى شأناً أردنياً-"إسرائيلياً"، بل ستضطر المتأثرين، إقليمياً ودولياً، للتدخل واحتوائها ومنع اتساعها، بما قد يفرض على "إسرائيل" مراجعة سياساتها ومخططاتها في الضفة والقدس وغزة وجنوب سوريا.
نشير أنه في دراسة إسرائيلية حديثة أعدّها "معهد أرغمان" لم تستبعد تلك الدراسة الأردن من الحسابات العسكرية، وقد وضع ضمن السيناريوهات القصوى احتمال تحوّله إلى مصدر تهديد عسكري. وتوصي الدراسة بإعداد خطط عملياتية تشمل السيطرة على مناطق استراتيجية، بينها وادي الأردن.
في النهاية، ولأن كل الاحتمالات مفتوحة، فإن الأردن مطالب بأن يستعد للأسوأ؛ والاستعداد للأسوأ لا يعني انتظار الحرب، بل العمل على منع حدوثها قبل أن تصبح أمراً واقعاً؛ سياسياً ودبلوماسياً على المستوى الخارجي، وداخلياً بتحصين الجبهة الوطنية، وتوجيه كل الإمكانات لدعم الجيش.