اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فارس الحباشنة : هل نحن هم أولئك؟!

فارس الحباشنة : هل نحن هم أولئك؟!
أخبارنا :  

لو عاد الماضي وطرق الباب اليوم، وقد نتردد في فتح الباب أو إغلاقه في وجه الماضي، سنراقب الماضي من عدسة الباب، نسأل الطارق عن اسمه ومن أين قادم، ولماذا عاد وما سبب الزيارة؟.

ولربما نطلب منه لوكيشن وصورة عن الهوية وتطبيق سند، وعندما يدخل البيت مذهولا: الجدران مدهونة والاثاث فاخر والشاشات كبيرة، وفي المطبخ ثلاجتان، غير أن الحديث أقصر، والوجوه مشغولة بالهواتف الخليوية.

يبحث الماضي عن رائحة رغيف الخبز وصوت الجار، وعن كتاب مفتوح وصحيفة على الطاولة، وعن اغنية لتهز القلب، وعن نقاش يهز الجو البارد، وسيجد عائلة على «واتس اب» ولا يملك أحدهم وقتا لزيارة أمه.

يجلس، ويسأل: هل نحن هم اولئك؟ عبارة غنية بالدلالة.. واربع كلمات فقط، وتحمل معنى يختصر معاينة مجتمع كامل.

جملة قصيرة تحشر الامس واليوم في مصعد معطل، ثم تتركهما يتبادلان الشك.

لا تسأل عن اسمائنا ولا عن ملامحنا، تسأل عن الشيء الذي بقي منا بعد أن حرقت السرعة ذاكرتنا وروضت المصلحة ضمائرنا.

في الأمس، كان الفقر يقضم الابداع، وكانت الابواب تغلق طريقها امام اصوات كثيرة، ومع ذلك احتفظ الفن بكرامته.

كان المغني يحمل رسالة وهم الناس، لا حقيبة اعلانات.. وكان للقصيدة خصوم واعداء، كان الكاتب يخسر راحته لكي يربح القارىء سؤالا جديدا.

كان السياسي يقلق السلطة، وصاروا اليوم يقلقون على عدد المتابعين.. كان الكاتب يبحث عن قارىء، وصار بعض الكتاب يبحثون عن صورة يحملون فيها كتابهم بجانب فنجان قهوة.

نقرأ عنوان الكتاب، نعجب بالغلاف، نلتقط صورة، نترك الصفحات تنام في سلام ابدي. تمتلىء رفوف المكتبات بالكتب، ولكن المجال العام فارغ من النقاشات والافكار.

نقيم مهرجانا للتراث، وثم يهدم مقاول بيتا عريقا كي يبني «مول» او مقهى او مطعما أمريكيا او موقفا للسيارات.

نلتقط صورة أمام باب خشبي عتيق، ثم نخلعه ونركب في بيوتنا ابواب الالمنيوم.

نمدح الاكل التراثي والتقليدي أمام الكاميرات والاحتفالات الرسمية، ونساوم سيدة فقيرة تخبز اقراص زعتر او تطبخ صحن مجدرة على نصف دينار وأقل.

هكذا تحولت الثقافة الى ديكور لتجميل الصور، والكل يتكلم، قليلون يفكرون، ونادرون يصغون، أتقنا تكبير الصوت، وأهملنا تكبير وتعميق المعنى.

وفي السياسة يزداد السؤال تعقيدا، هل نحن هم أولئك؟

في الأمس دفع كثيرون ثمن آرائهم من اعمارهم وارزاقهم، ومع ذلك، اشتغل بالسياسة بوصفها قضية تمس مصير المواطن والوطن.

كانت مقرات الاحزاب مزارات للسياسة والفكر النضالي، وكان الناس يجتمعون ويتناقشون ويغضبون، ويختلفون.

اليوم، مقرات الاحزاب موسمية تفتح قبل موسم الانتخابات، ومثل بسطات الاضاحي في عيد الاضحى.. يدخل المرشح الى القرية او المدينة او الحي والمخيم يصافح الجميع، ويقبل الاطفال، ويسأل عن المرضى، ويوزع طرودا انتخابية، ويقسم بالله أنه ابن القرية والمدينة والمخيم.

يعرض المرشح خدمات وظائف وفتح طرق وتركيب حاويات زبالة، ومدارس وأندية.. تتنازع الاحزاب من يضع اسمه على رأس القائمة..

يفوز مرشح الحزب بالانتخابات ويتحدث عن التضحية، ويشرح للناس عن فضائل الصبر من مكتب مكيف، ويحثهم على شد الاحزمة ويبحث هو عن حزام يناسب بذلته الجديدة.

في الامس، كان الجار يعرف متى يمرض جاره، ومتى يحتاج الى طعام، ومتى يخفي حزنه وراء ابتسامة.

وعندما يسقط شخص تمد له كل الايادي، واليوم ما نعرف عن اخبار الجيران، كما لو اننا نعيش في قارات، نجهل اسم الجار.

تصلنا أخبار الموت عبر الفيسبوك والواتس اب، ونرسل وجها حزينا، ثم ننتقل بعد ثوان الى مقطع راقص او طبخ.

حتى الاحسان تغير معناه.. الفقير يحتاج الى طعام، والمحسن اليوم يمنحه لقطة مصورة وسلفي، ويأخذ الإنسان نصيبه من المساعدة، وتأخذ الكاميرا نصيبا أكبر من كرامته.

حقيقة أننا نخسر هويتنا، ولم تسرق في ليلة واحدة.. نحن بعنا كل شيء بالاقساط، جزء للسرعة وجزء للمصلحة وجزء للخوف، وجزء للرغبة.

واما التراث والتقاليد فقد بقيت زينة وديكورا، والاخلاق للخطب والمنابر والجاهات، والدين مواعظ، والحداثة لباس.

ليس مطلوبا العودة الى زمن بيوت الحجر وزمن المصابيح الغازية، والحنين يدفىء القلب، وهذا لا يدير دولة ولا يصلح مدرسة، ولا يعالج مريضا.

نحتاج الى حداثة تحمل ذاكرة وتاريخا، وضميرا، ولثقافة تحمل سؤالا، ومجتمع يمنح الفرد حريته دون أن يسلب منه الدفء الجماعي.

واذا ما واصلنا بيع ضمائرنا وذاكرتنا وهويتنا، وتحويل الوطن الى واجهة كبيرة لمتجر مغلق، فسيضع الامس وردة سوداء فوق عتبة اليوم.

ويكتب على باب الزمن.. هنا عاش ناس أضاعوا وطنا وهوية، ولم يعرفوا إلا تقليد الآخرين.


مواضيع قد تهمك