اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : الأحزاب الأردنية بين البقاء والرحيل

أ. د. ليث كمال نصراوين : الأحزاب الأردنية بين البقاء والرحيل
أخبارنا :  

أعلنت الهيئة المستقلة للانتخاب قبل أيام عن حل حزب الغد الأردني، وذلك في ضوء القرار القضائي القطعي الصادر بهذا الشأن، والذي استند إلى مخالفة الحزب لأحكام القانون من خلال امتناعه عن تقديم حساباته الختامية، لينخفض بذلك عدد الأحزاب السياسية القائمة في الأردن إلى ثلاثين حزبا.

ويثير هذا الحكم القضائي جملة من الدلالات القانونية والسياسية التي تستحق التوقف عندها، بعضها إيجابي يرتبط بالضمانات التشريعية للعمل الحزبي، وبعضها الآخر يكشف عن جوانب سلبية في واقع التجربة الحزبية الأردنية. وتتمثل أولى الدلالات الإيجابية في أن حل الأحزاب لا يتم بقرار إداري، وإنما بحكم قضائي نهائي، وهو ما يشكل ضمانة أساسية لحرية العمل الحزبي واستقلاله في الأردن.سياحة الأردن


فالهيئة المستقلة للانتخاب تتولى متابعة شؤون الأحزاب المرخصة وإحالة المخالف منها إلى القضاء، الذي يقرر ثبوت المخالفة والجزاء المترتب عليها من عدمه، بما يضمن ألا يكون استمرار الحزب السياسي أو حله متوقفا على إرادة جهة إدارية.


ومن الجوانب الإيجابية الأخرى أن ما تشهده الساحة الأردنية من إنهاء وجود بعض الأحزاب السياسية وتراجع عددها لا ينبغي النظر إليه بحد ذاته باعتباره مؤشرا سلبيا. فنجاح الحياة الحزبية لا يقاس بكثرة الأحزاب المرخصة، وإنما بوجود تنظيمات سياسية قادرة على الالتزام بأحكام القانون، وتمتلك هياكل مؤسسية داخلية وبرامج واضحة للمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.


وعليه، فإن خروج الأحزاب التي لا تستطيع الوفاء بالمتطلبات القانونية سيسهم، مع مرور الوقت، في إعادة تشكيل المشهد الحزبي على أسس أكثر واقعية، بحيث تستمر الأحزاب الأكثر قدرة على التنظيم والعمل المؤسسي وتحقيق الغايات التي أنشئت من أجلها. فالغاية من التحديث السياسي لم تكن زيادة أعداد الأحزاب، وإنما الوصول إلى حياة حزبية مستقرة تقوم على كيانات قادرة على ممارسة دورها السياسي بصورة مستدامة، حتى وإن كان عددها محدودا.


في المقابل، يحمل القرار القضائي بحل حزب أردني قائم دلالات سلبية لا ينبغي تجاهلها، تتعلق بواقع بعض الأحزاب التي تشكلت خلال السنوات الماضية. فوصول حزب سياسي إلى مرحلة الحل بسبب مخالفات تتصل بإدارة شؤونه المالية والالتزامات المترتبة عليه بموجب القانون يعطي انطباعا بأن تأسيس بعض الأحزاب قد جرى على نحو متسرع، دون أن يرافقه بناء مؤسسي داخلي قادر على ضمان استمرارها والوفاء بالتزاماتها القانونية.


فالعمل الحزبي لا يقتصر على مجرد تجميع العدد المطلوب من الأعضاء لغايات استكمال متطلبات التأسيس، وإنما له أبجديات واضحة تبدأ بوجود إدارة حزبية منظمة، وهياكل داخلية فاعلة، والالتزام بقواعد الشفافية والإفصاح، وتقديم البيانات والحسابات المالية وفق ما يقرره القانون. وهذه المتطلبات ليست مسائل إجرائية هامشية، بل هي من صميم العمل الحزبي المؤسسي، وتعكس مدى قدرة الحزب على الانتقال من مجرد كيان مسجل قانونا إلى مؤسسة سياسية قادرة على الاستمرار والتأثير.


كما أن الانضباط المالي للأحزاب السياسية يرتبط بصورة مباشرة بثقة المواطنين بها؛ فالحزب الذي يطرح نفسه خيارا سياسيا للمشاركة في الحكم مطالب بأن يقدم نموذجا في الحوكمة والشفافية داخل مؤسسته الحزبية. ومن هنا، فإن انتظام السجلات والحسابات والإفصاح عنها لا يمثل مجرد امتثال لنصوص القانون، وإنما يعد مؤشرا على قدرة الحزب على تحمل مسؤوليات أكبر في إدارة الشأن العام.


خلاصة القول، إن القرار القضائي الأخير ينبغي ألا يقرأ فقط باعتباره حالة تتعلق بحزب بعينه، وإنما مناسبة لمراجعة التجربة الحزبية في مرحلة التحديث السياسي. فما يجري قد يكون جزءا من عملية فرز طبيعية للمشهد الحزبي، تتراجع فيها الأحزاب غير القادرة على الاستمرار، مقابل ترسخ الأحزاب الأكثر تنظيما وقدرة على العمل. فنجاح التجربة لا يقاس بعدد الأحزاب، وإنما بقدرتها على التحول إلى مؤسسات سياسية حقيقية قادرة على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله.


* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية


l.nasrawin@ju.edu.jo


مواضيع ذات صلة


مواضيع قد تهمك