الاقتصاد الوطني يعبر تحديات المنطقة ويحقق نموا أعلى من التوقعات الدولية
عبر الاقتصاد الوطني كعادته تحديات وصعوبات المنطقة، مستندا على قطاعات اقتصادية إنتاجية ومسار واضح مدعوم من جلالة الملك عبدالله الثاني، للمضي برؤية التحديث الاقتصادي وسياسات حكومية وفرت بيئة أعمال محفزة.
وقال مختصون بالشأن الاقتصادي لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن النمو المتحقق بالربع الثاني من العام الحالي يعكس قدرة أعلى للاقتصاد الوطني على التعامل مع التوترات الإقليمية، بالرغم أن الأردن اقتصاد مستورد للطاقة ويتأثر كذلك باضطرابات التجارة والسياحة والنقل في الإقليم.
وأكدوا أن أهمية النتائج التي تحققت لا تكمن في معدل النمو الكلي فقط، إنما في تركيبته ومصادره القطاعية حيث يشير نمو الصناعة التحويلية والزراعة والكهرباء إلى تحسن ملموس في أداء عدد من القطاعات الإنتاجية.
وعلى الرغم من الظروف الإقليمية، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الحالي، مقارنة مع 2.8 بالمئة بالربع الثاني من العام الماضي.
وتعد نسبة النمو هذه الأعلى منذ سنوات، وتأتي رغم ظروف استثنائية تشهدها المنطقة والعالم، وهي أعلى من توقعات مؤسسات التمويل الدولية للاقتصاد الأردني خلال هذه الفترة، بفضل السياسات الاقتصادية الحكومية والحوافز والقرارات الإيجابية التي انعكست على مختلف المؤشرات وأدت إلى تحقيق نسبة نمو أعلى من المتوقع.
وقال الخبير المصرفي الدكتور محسن أبو عوض، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الثاني من العام الحالي، يعكس قدرة الاقتصاد الوطني بالحفاظ على مسار نمو إيجابي رغم ارتفاع مستويات عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
وبين أن أهمية النتائج المتحققة لا تكمن في معدل النمو الكلي فقط، وإنما في تركيبته ومصادره القطاعية، حيث يشير نمو الصناعة التحويلية بنسبة 6.2 بالمئة والزراعة بنسبة 7.8 بالمئة والكهرباء 5 بالمئة إلى تحسن ملموس في أداء عدد من القطاعات الإنتاجية، فيما سجلت الصناعة التحويلية أعلى مساهمة في النمو الكلي بواقع 1.04 نقطة مئوية، بما يعكس دورها في توليد القيمة المضافة ودعم النشاط الاقتصادي.
وشدد على أن السياسة النقدية للبنك المركزي الأردني أسهمت في توفير بيئة كلية مستقرة للنشاط الاقتصادي، من خلال الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي، بما يدعم قدرة القطاع المصرفي على توفير التمويل للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
ولفت إلى إن ضمان استدامة النمو تتطلب استمرار التكامل بين السياسات النقدية والمالية، إلى جانب توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج ورفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التصديرية، مبينا أن المرحلة المقبلة تتطلب إلى تحسين نوعية النمو وأثره الاقتصادي، بحيث يرتبط بصورة أكبر بزيادة الاستثمار الخاص، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ورفع معدلات التشغيل، وتعزيز دخل الأسر.
وأكد الدكتور أبو عوض، أن المؤشرات الحالية توفر قاعدة اقتصادية إيجابية يمكن البناء عليها، علاوة على أن استمرار الاستقرار النقدي والمالي، بالتوازي مع تحسن أداء القطاعات الإنتاجية وتعزيز الاستثمار والصادرات، يدعم قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة بالمرحلة المقبلة.
من جهته، أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور رعد محمود التل، إن نمو الاقتصاد الوطني يمثل مؤشرا إيجابيا على قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على مسار نمو مستقر رغم التحديات الإقليمية وانعكاساتها على التجارة والسياحة والاستثمار وسلاسل التوريد.
وأشار إلى أن الأداء اللافت للصناعات التحويلية، يمثل أبرز المؤشرات الإيجابية، خصوصا مع وصول مساهمتها إلى 17.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة.
وبين أن نمو قطاعات أخرى، منها الزراعة والكهرباء، إضافة إلى المياه بنسبة 4.1 بالمئة، يعكس تنوع مصادر النمو في الاقتصاد الأردني.
وأكد التل، أن استمرار هذا الأداء يتطلب مواصلة دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعة وتعزيز قدرتها على الاستثمار والتوسع والتصدير بما يسهم في رفع معدلات النمو وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة خلال المرحلة المقبلة.
من جهته، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي يحمل دلالة مهمة تتجاوز ارتفاع الرقم كونه لم يعتمد على قطاع واحد، بل توزع على مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.
وأكد أن اتساع قاعدة النمو هو أحد أهم المؤشرات في هذه النتائج، لأنه يقلل اعتماد الاقتصاد على محرك واحد ويزيد قدرته على التعامل مع الصدمات الإقليمية والخارجية.
وأوضح أن الصورة القطاعية تعكس هذا التنوع بوضوح، مبينا أن الانتشار في النمو بين الإنتاج والخدمات والتجارة والنقل والقطاع المالي يعطي مؤشرا أفضل على صحة النشاط الاقتصادي.
ولفت إلى إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى البناء على القطاعات التي تحقق نموا جيدا، وفي الوقت نفسه معالجة نقاط الضعف في القطاعات الأبطأ من خلال الاستثمار ورفع الإنتاجية وخفض كلف الطاقة والنقل وتوسيع الأسواق، لأن تسارع عدد أكبر من القطاعات يمكن أن يدفع الاقتصاد إلى معدلات نمو أعلى.
وأوضح أن هذه النتائج تأتي في سياق الجهود التي يقودها جلالة الملك، ومتابعة سمو ولي العهد للملفات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب عمل الحكومة على تنفيذ أولويات رؤية التحديث الاقتصادي وتحفيز القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.
وأكد السرحان، أن أهمية النمو تكمن في كونه مؤشرا على أن قاعدة النشاط الاقتصادي أصبحت أكثر اتساعا، ما يتطلب الحفاظ على هذا الاتجاه وتحويله لنمو مستدام يرفع الاستثمار والإنتاجية ويوسع فرص العمل ويزيد قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الظروف الإقليمية المتقلبة.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد عبدالقادر، إن قراءة معدل النمو خلال الربع الثاني من العام الحالي ينبغي ألا تقتصر على الرقم بحد ذاته، وإنما النظر إليه ضمن المسار الزمني للنمو وطبيعة القطاعات التي أسهمت فيه والظروف الاستثنائية التي تحقق في ظلها.
وأوضح أن الاقتصاد الوطني أظهر خلال الفترة الأخيرة مسارا تصاعديا تدريجيا في معدل النمو الحقيقي، انتقل معه النمو من 2.5 بالمئة بالربع الثاني من 2024 إلى 2.8 للفترة نفسها من العام الماضي، وصولا إلى 3 بالمئة بالربع الثاني من العام الحالي، ما يشير إلى أن التحسن لم يكن قفزة مرتبطة بربع واحد، وإنما اتجاه تراكمي أكثر استقرارا في النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وبين أن أحد أكثر المؤشرات أهمية في بيانات الربع الثاني يتمثل في شمولية النمو واتساع قاعدته القطاعية، فمن بين القطاعات الاقتصادية الـ 20 التي تتضمنها الحسابات القومية، سجل 19 قطاعا نموا موجبا.
وأشار إلى إن هذا يعني أن النمو لم يكن نتاج طفرة في قطاع منفرد، وإنما جاء من قاعدة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، ما يمنحه درجة أعلى من الاستدامة مقارنة بالنمو الذي يعتمد على قطاع واحد.
ونوه عبدالقادر إلى أن تركيبة النمو نفسها تحمل إشارات إيجابية، إذ تصدرت الصناعة التحويلية القطاعات من حيث المساهمة في النمو، مضيفة نحو 35 بالمئة من النمو الكلي، كما نما القطاع الزراعي وأضاف 0.34 نقطة مئوية، إلى جانب مساهمات موجبة من التجارة والنقل والقطاع المالي والتعليم والكهرباء ما يعزز فكرة اتساع قاعدة النشاط الإنتاجي في الاقتصاد.
وأكد أن أهمية هذه الأرقام تصبح أكثر وضوحا عند وضعها في السياق الإقليمي الاستثنائي لعام 2026، حيث أدت الحرب واضطرابات طرق الطاقة والتجارة، خصوصا عبر مضيق هرمز، إلى ضغوط اقتصادية حادة على عدد من اقتصادات المنطقة.
وقال عبد القادر، إن صندوق النقد خفض توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى 0.7 بالمئة بالعام الحالي جراء تداعيات اضطرابات إنتاج ونقل الطاقة، في حين حقق الأردن نموا حقيقيا بنسبة 3 بالمئة في الربع الثاني، ما يعكس قدرة أعلى نسبيا على امتصاص الصدمة الإقليمية، لا سيما أن الأردن اقتصاد مستورد للطاقة ويتأثر كذلك باضطرابات التجارة والسياحة والنقل في الإقليم.
وأوضح أن المقارنة العالمية تعطي الرقم الأردني بعدا إضافيا، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو الاقتصادي العالمي نحو 3 بالمئة بالعام الحالي، خلال عام وبالتالي فإن معدل النمو الذي سجلته المملكة يعادل تقريبا معدل النمو العالمي المتوقع.
وذكر أن التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل بنقل الاقتصاد تدريجيا إلى مستوى نمو أعلى وأكثر استدامة، من خلال تعميق النمو في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وتحويل التحسن في الناتج إلى استثمارات جديدة وفرص عمل وزيادة في الإنتاجية والدخل الحقيقي.
--(بترا)