أمل محي الدين الكردي : المرأة في قلب العاصفة: التداعيات الإقليمية والدولية ومسارات التمكين
بقلم:أمل محي الدين الكردي
تشهد الساحة الدولية والإقليمية تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، ألقت بظلالها على مختلف القضايا الإنسانية والتنموية، وفي مقدمتها ملف حقوق المرأة وواقعها الاجتماعي والاقتصادي. إن قراءة المشهد الراهن تُظهر بوضوح أن الأزمات المعاصرة—سواء تمثلت في التصعيد العسكري والنزاعات المسلحة، أو في الأزمات الاقتصادية وتراجع مسارات الإصلاح—تنعكس بصورة متباينة على النساء، باعتبارهن من أكثر الفئات تأثراً بالاضطرابات التشغيلية والخدمية التي تصيب المجتمعات. وفي هذا السياق، يتأكد يومياً أن ضمان أمن المرأة وتمكينها ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو ركن أساسي للاستقرار الإقليمي والدولي وتحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها المجتمعات كافة.
تتجلى أولى تداعيات هذه المستجدات في أوقات الأزمات والنزاعات المسلحة، حيث تتضاعف التحديات الإنسانية التي تواجه الأسر، وتتحمل النساء العبء الأكبر في حماية التماسك الاجتماعي وتوفير الرعاية الأساسية تحت ظروف ضاغطة. يؤدي تضرر البنى التحتية الخدمية، وخاصة قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، إلى إحداث فجوات تتطلب استجابات عاجلة ومبتكرة لضمان تقديم الدعم الصحي والأمن الغذائي، إلى جانب حماية النازحين والمهجرين وفق القوانين والأعراف الدولية. إن حماية النساء في هذه الظروف لا تقتصر على تقديم المساعدات الإغاثية فحسب، بل تمتد لتشمل تفعيل المبادئ التي أقرها أطر السلام والأمن الدوليين، والتي تؤكد على ضرورة صون كرامة الإنسان وتوفير بيئة آمنة تضمن استمرارية الحياة الكريمة.
وعلى صعيد التمكين السياسي والمشاركة في صنع القرار، تُبرز المستجدات الإقليمية أهمية الانتهاج الديمقراطي والتطوير المؤسسي المتوازن الذي يتيح لكافة مكونات المجتمع الإسهام في بناء المستقبل. ورغم تحقيق بعض التقدم الملموس في صياغة التشريعات وزيادة التمثيل النيابي في عدد من الدول، إلا أن الأزمات المتلاحقة تؤدي أحياناً إلى إعاقة هذه المسارات وتراجع الفضاءات المتاحة للمشاركة الفاعلة. إن تمكين المرأة من المشاركة الحقيقية في صياغة السياسات العامة ومفاوضات حل النزاعات وصنع السلام يمثل ضمانة رئيسية لاستدامة الاتفاقيات والحلول السياسية، حيث أثبتت التجربة التاريخية أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تحقق غايتها بمعزل عن شراكة كاملة ومؤثرة بين جميع أفراد المجتمع.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الانكماش المالي واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع معدلات التضخم تُشكل تحديات هيكلية تؤثر على القوة العاملة بشكل عام، وعلى مشاركة النساء بشكل خاص. تتركز قطاعات واسعة من القوى العاملة النسائية في مجالات الاقتصاد غير الرسمي أو القطاعات الأكثر عرضة للصدمات المالية، مما يستوجب تبني سياسات اقتصادية حكيمة ترتكز على الشمول المالي، وتوفير بيئة عمل آمنة ومحفزة، وتدعيم شبكات الحماية الاجتماعية. إن تعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة ودعم مشاركتها في الاقتصاد الرسمي ليس مجرد إنصاف حقوقي، بل هو محرّك أساسي لرفع معدلات النمو القومي وتجاوز الهشاشة الاقتصادية التي تحيط بالمنطقة.
وفي هذا السياق الإقليمي المعقد، تبرز التجربة الأردنية كنموذج رائد يجمع بين الاستجابة الإنسانية والالتزام المؤسسي بتعزيز مكانة المرأة؛ إذ يشكل الأردن ركيزة أساسية للاستقرار الداعم لحماية النساء والأسر المتأثرة بالأزمات والنزاعات في المنطقة، من خلال استضافته الواسعة للاجئين وتوفير خدمات الرعاية الأساسية لهم. وعلى المستوى الوطني، تخطو الدولة خطوات متقدمة في تفعيل الخطة الوطنية للأجندة الدولية "المرأة والأمن والسلام" (قرار مجلس الأمن 1325)، وتوسيع مشاركة النساء في قطاعات حفظ السلام والعمل العام، بالتوازي مع منظومة التحديث السياسي والتشريعي التي تستهدف تعزيز تمثيل المرأة في المجالس النيابية والحزبية، لتغدو التجربة الوطنية مثالاً يُحتذى في الموازنة بين صون المكتسبات الوطنية ومواكبة المعايير الدولية.
ختاماً، إن التعامل مع التداعيات الدولية والإقليمية على واقع النساء يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء أطر تشريعية ومؤسسية مستدامة. إن الالتزام بالمعايير والمواثيق الدولية، واستيعاب التطورات العصرية ضمن سياق يحترم سيادة الدول وخصوصياتها الوطنية، يُعد الطريق الأمثل لتعزيز المكتسبات وحمايتها. إن الاستثمار في بناء قدرات المرأة وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لها يمثل الاستثمار الحقيقي في أمن المجتمعات واستقرارها، وصولاً إلى عالم تسوده العدالة، وتتحقق فيه تطلعات الشعوب نحو السلام والازدهار.