أُم تطبخ لأطفالٍ رحلوا ورجل يلقي التحية على ركام بيته
«لم تكن صدمة فقدٍ فقط. لقد تداخلت في حالة تلك السيدة الفجيعة، والذنب، وفقدان المعنى، وانهيار الهوية، والعزلة، والخوف معًا. كانت في الأربعين، جاءت برفقة شقيقتها إلى خيمتي تسألني المساعدة. كانت تحتضن كيسًا وتبكي. في سياق الحديث عرفتُ أن فيه ملابس أطفالها الأربعة الشهداء».
بهذه الكلمات، بدأت الأخصائية النفسية علا دهمان حديثها لمراسلة موقع البوابة صفاء كمال، عن حالةٍ تسكن في مخيمٍ قريب من خيمتها بدير البلح. عرفت شقيقتها أن أخصائيةً نفسية تسكن هنا فجلبتها لتعرف ما إن كان هناك علاجٌ يطفئ نار قلبها ويعيد إليها عقلها الذي صعد إلى السماء برفقة أطفالها الشهداء، «طوال الجلسة كانت تتحدث عن أطفالها بصيغة الحاضر، ثم تنتبه فجأةً أنهم ماتوا وتبكي. ترفض أن يمس أحدًا ملابسهم، وفي الوقت نفسه، تنتبه فجأة فتصبح غير قادرة على لمسها».
شقيقة تلك السيدة التي لا تذكر علا إلا أن اسمها «فداء» أخبرتها أنها تستمر في إعداد الطعام لهم، وترتب لهم ليلًا أماكن للنوم. لا تبكي أمام الآخرين كثيرًا، لكنها تنهار عندما تسمع صوت طفلٍ يشبه أحد أبنائها أو يقترب من عمره. «الأدهى من ذلك أنها تشعر بالذنب.. لأنها نجت» تقول الأخصائية النفسية، ولا تبالي بالقصف كما حدثتني أختها، فالكل يخرج من الخيمة بعد حدوثه إلا هي تبقى جالسة، وكأنها تنتظر الموت أو تتمناه لتلحق بأبنائها الصغار.
ولا تقتصر آثار الحرب على لحظة القصف أو فقدان شخص عزيز، بل قد تتراكم لدى الناجي سلسلة من الصدمات تتدرج من القتل والإصابة وفقد الأحبة والبيت، إلى النزوح المتكرر ن دون أن تتاح له مساحة كافية من الأمان لاستيعاب ما مرّ به.
وتقول: «قد تظهر هذه الصدمات في فرط اليقظة، والفزع من الأصوات المفاجئة، واضطراب النوم والكوابيس، أو استعادة مشاهد الحرب بصورة متكررة، إلى جانب تجنب الأماكن والأحاديث المرتبطة بها»، مستدركةً: «لكن قد تتخذ شكلًا آخر كالغضب والعصبية، أو الانطفاء العاطفي وفقدان الاهتمام بالحياة، والشعور بالذنب، خصوصًا لدى من فقدوا أبناءهم، أو من نجوا بينما مات الآخرون. كما قد تظهر أعراض جسدية، مثل الصداع والخفقان واضطرابات المعدة والإرهاق، فضلًا عن اضطراب الشهية والنوم».
أما الأطفال فقد يعبرون عن الصدمة بسلوكيات أكثر من الكلمات، كالتبول اللاإرادي، والتعلق الشديد بالوالدين، والخوف من الانفصال، والعدوانية أو الانسحاب، وتراجع التركيز، وإعادة تمثيل القصف والموت في اللعب أو الرسم، والخوف من الأصوات المفاجئة.. تمامًا كما يحدث مع عبد الله الصفطاوي (7 سنوات)؛ في كل ليلةٍ يرتب ألعابه في زاوية الخيمة، يضع سيارته الصغيرة تحت قطعة قماش، ثم يصرح «انفجار»، بعدها يركض إلى أمه ويمسك بثوبها متأكدًا أنها لن تتركه.
تحكي أخته ندى « أن شقيقها، ومنذ أن رأى ابن جيرانهم وقد طار جسده وتحول إلى أشلاء بعد قصف طال منزلهم، لم يعد كما كان.
وتقول: «تطارده الكوابيس، ويذكره في كل ليلة. يفزع من الأصواف المفاجئة، ويستيقظ باكيًا يبحث عن أمي»، مضيفةً بحرقة: «عاد يتبول على نفسه ولا يتحدث عبد الله كثيرًا عما رآه، لكن لعبه يعيد المشهد كل مساء، كأن الحرب التي انتهت في الخارج، ما زالت مستمرة داخل رأسه.
لكن -لا يعني دائماً ظهور هذه الأعراض بالضرورة وجود اضطراب نفسي- فبعضها استجابات طبيعية لتجارب قاسية.
وتبدأ المساندة باستعادة الأمان والروتين والاحتياجات الأساسية، والاستماع إلى الناجي دون إجباره على سرد تجربته، ومنحه قدرًا من الاختيار والسيطرة على تفاصيل حياته اليومية، محذرةً من أن العبارات التي تقلل من الألم، مثل «انسَ» أو «كن قويًا» أو «غيرك خسر أكثر»، فقد تزيد العزلة.
اما أبو محمد ياسين، فلا يكاد يمر يوم لا يزور فيه ركام بيته. ذلك البيت الذي كلفه سنوات طويلة من العمل خارج غزة، واقتطعت فيها الغربة من عمره حتى شبعت. أربعة طوابق يمر فيلقي عليها التحية، ويسمح لدموعه هناك أن تنهمر، وبغزارة ويكرر ذلك يومياً بصمت.
البوابة 24