يزن خواص يكتب : عصام السلفيتي.. ما لا تكتبه السيرة في رحيله
بقلم يزن خواص
كان بيني وبين عصام السلفيتي مؤسس بنك الاتحاد فارق أجيال، لكنه كان من أولئك الذين لا تشعر معهم بفارق العمر ، كان الشيب قد استفحل رأسه وابتسامته الدائمة تحمل خلفها هموما كاي انسان .
كان يحب الأجيال الجديدة، ويستمع إليها كما لو أنه يريد أن يتعلم منها، لا أن يلقّنها. وكان لديه فضول جميل تجاه الناس والأفكار والأسواق، كان يذهب ويعود الساعة الخامسة مساءً وهو بالنسبة لي ولمن يعرف هذا التوقيت من اصدقائه موعداً مختلفاً. تسمع منه أكثر مما تتوقع، وتكتشف أن الرجل الذي أمضى عقوداً في الاقتصاد والمصارف لا يزال يتعامل مع المعرفة باعتبارها شيئاً لا ينتهي.
لكن أكثر ما بقي في شخصيته مؤثرا لي، أنه لم يكن من هواة الدعوات الرسمية.
كان يتجنبها قدر الإمكان. لا يلاحق صورة، ولا يبحث عن مقعد في الصف الأول، ولا يبدو معنياً بذلك العالم الذي يعتقد أصحابه أن قيمة الإنسان تقاس بعدد الدعوات التي تصله.
كان يحب مكتبه أكثر واصدقائه وفي مكتبه تفاصيل تشبهه، من بينها لوحة لـ«مانسولي دينا» — أو هكذا بقي اسمها في ذاكرتي — كانت تقول، بطريقة ما، إن الرجل الذي عرف المال جيداً لم يكن أسيراً له.
وعصام كان يحترم الغريب قبل القريب . كان هناك شيء إنساني في طريقته مع الناس؛ شيء يجعلك تشعر أنك أمام رجل يعرف قيمة البشر قبل قيمة الأشياء.
وفي واحدة من زياراتي له، أخبرني أنه أُصيب بالسرطان، وأنه بدأ يتلقى الجرعات. قالها بهدوء يشبهه، من دون خوف أو استعراض، وكأن الأمر مجرد محطة أخرى عليه أن يعبرها. أتذكر أنه كان يتحدث عن العلاج بثقة، وكان مقتنعاً أنه سينتصر عليه. كان يتعامل مع المرض كما تعامل طوال حياتهق مع الأزمات: ينظر إليها مباشرة، ويكمل طريقه. يومها لم أعرف أن تلك الجلسة ستصبح واحدة من الذكريات التي سأعود إليها كثيراً.
لا أريد أن أختم الحديث عن عصام السلفيتي بسيرته الاقتصادية، ولا بعدد السنوات التي قضاها في المصارف، ولا بالمناصب التي شغلها ؛ هذه أشياء ستبقى في السجلات الرسمية .
أنا أريد أن أتذكره كما عرفته.
رجل من جيل قديم، لكنه كان يعرف كيف يصغي إلى جيل جديد.
رجل عرف الأسواق، لكنه لم يسمح لها أن تختصره.
رجل كان يستطيع أن يكون في كل مكان، لكنه اختار غالباً أن يكون في مكتبه
رحم الله عصام سلفيتي.