الصبيحي يعقب على مقال الفرجات حول مديونية الحكومة للضمان ويقدم مخرج مالي للمديونية م تشوبه عشرة محاذير مهمة
ما من شك في أن الطرح الذي قدّمه الدكتور محمد الفرجات في مقاله المنشور في "عمّون" (من مديونية الحكومة للضمان إلى أكبر فرصة اقتصادية في تاريخ المملكة) حول معالجة مديونية الحكومة لصالح صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، ومضمونه تحويل الديون أو مبادلتها بأصول عقارية وصكوك مالية، يفتح باباً لنقاش موسّع وعميق في غاية الأهمية في واحدة من أكثر القضايا حساسية، فهو يلامس ملفاً مالياً واقتصادياً حساساً يؤرق المشهد المحلي، دون أن نختلف على أهمية البحث عن حلول مبتكرة في الموضوع لرفع العبء عن كاهل اقتصادنا الوطني.
عشرة محاذير يجب التوقف عندها:
بصرف النظر عن جوهر الأفكار المقترحة وأهميتها، وهي أفكار مقدّرة، إلا أن التطبيق العملي لها يفرض الوقوف بجدية أمام عشرة مخاطر ومحاذير حقيقية لا يمكن التغافل عنها، كونها تمسّ المظلة التأمينية الأولى للأردنيين ومستقبل أموال العمال:
الأول: مخاطر التقييم وحجم رأس المال: إن تحويل الديون أو مبادلتها بأصول أو ترتيبات مالية جديدة يحتاج إلى آليات تقييم عادلة وشفافة تخضع لمعايير دقيقة؛ فأي خطأ أو مبالغة في تقييم الأصول مقابل الدين القائم قد يؤدي إلى تآكل غير مباشر لرأس مال الصندوق، ويمس بالقيم الحقيقية لاستثماراته.
الثاني: تقلبات السياسات والأمزجة الحكومية: تكمن أزمة التخطيط الاستثماري طويل الأجل في تغير السياسات والنهج الاقتصادي مع تغير الحكومات. غياب ضمانات حتمية ومؤطرة تشريعياً يضع أصل الدين والتسهيلات المرتبطة به تحت رحمة المزاجية والمراجعات المستمرة، مما يرفع نسبة
الثالث: المخاطر القانونية والمالية: الحاجة الماسة للسيولة النقدية (Liquid Assets): يمر صندوق الضمان اليوم بظرف زمني حاسم تتصاعد فيه فاتورة التقاعد والالتزامات التأمينية المتدحرجة؛ فالصندوق بحاجة دائمًا لسيولة نقدية جارية ومرنة لمواجهة هذه التدفقات النقدية الخارجة، وأي حلول تعتمد على استبدال الدين بأصول غير سائلة أو تسويات طويلة الأجل قد تضع الصندوق في أزمة سيولة أمام المتقاعدين والمستفيدين.
الرابع: قدرة الصندوق واستقلالية القرار الاستثماري: إن اتخاذ قرار مصيري بهذا الحجم يتطلب استقلالية تامة لصندوق استثمار أموال الضمان بعيداً عن أي ضغوط سياسية. قرار الاستثمار هنا ليس مجرد حركة هندسة مالية، بل هو أمانة تتعلق بمدخرات العمال وقوت يومهم المستقبلي، مما يستوجب توفير أقصى درجات الضمانات الحاكمة كشرط أساسي لأي خطوة مقترحة.
الخامس: تركّز المخاطر (Concentration Risk): إن زيادة انكشاف صندوق الضمان على الحكومة، سواء عبر السندات أو مبادلتها بأصول حكومية جديدة، يخالف القواعد الاستثمارية التي تقتضي تنويع المحفظة. ربط مصير أموال العمال بجهة مدينة واحدة على نطاق واسع يرفع حدة المخاطر الإجمالية في حال تعرض المالية العامة لأي هزات غير متوقعة.
السادس: عائد الاستثمار مقارنة بالتضخم: تحمل السندات الحكومية الحالية فائدة محددة ومضمونة إلى حد كبير. وفي حال استبدال هذه المديونية بأصول أخرى، قد ينخفض عائد الاستثمار الحقيقي ليكون أدنى من معدلات التضخم الفردية والمتراكمة، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية لأموال الضمان على المدى الطويل.
السابع: إشكالية التسييل السريع (غياب السوق الثانوي النشط): في حال اضطر الصندوق للتصرف في الأصول أو التسهيلات الناتجة عن أي تسوية للديون لمواجهة طارئ مالي، فقد يصطدم بضعف عمق السوق المحلي وصعوبة تسييل هذه الأصول بسرعة ودون تكبد خسائر مالية فادحة.
الثامن: الأثر على التصنيف الإئتماني والرسائل للأسواق: إيحاء الأسواق والمؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) بأن الحكومة تلجأ لمعالجات غير تقليدية لمديونيتها تجاه الضمان قد يبعث إشارات قلق حول الاستقرار المالي والنقدي، ويؤثر سلباً على التقييمات الاقتصادية الكلية للمملكة.
التاسع: البعد الاجتماعي والغطاء النقابي: أموال الضمان هي "ملكية عامة للعمال" وليست ملكاً للحكومات المتعاقبة. أي تحرك غير محسوب يمس هذه الأموال يثير حساسية اجتماعية واسعة ومخاوف لدى الشارع والنقابات والعمال، مما قد يخلق حالة من عدم الثقة في المنظومة التأمينية برمتها.
العاشر: غياب البيئة التشريعية لـ "الحوكمة المؤسسية المتقدمة": إن أمراً استراتيجياً بهذا الحجم والخطورة يتطلب إطاراً صارماً من الحوكمة المؤسسية عالية المستوى داخل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وهو ما يستدعي أولاً مراجعة وتعديل التشريعات الحالية لإحداث إصلاح هيكلي حقيقي يضمن كفاءة واستقلالية واتزان القرار؛ بدءاً من استحداث منصب "محافظ للمؤسسة"، وتشكيل مجلس تمثيلي متوازن يضم خبراء ومختصين مستقلين يملكون القرار الفني والمالي المجرد من أي إملاءات.
ختاماً؛ لا بد من التأكيد بأن الفكرة وإن كانت تسعى لتقديم مخرج مالي لمديونية الحكومة للضمان في إطار رؤية اقتصادية لصالح الطرفين، إلا أن كلفها وحجم مخاطرها على المدى المتوسط والطويل يتطلبان الحذر الشديد، إذ لا يمكن الإقدام على مثل هذه الحلول والتسويات المالية قبل إعادة بناء الحوكمة المؤسسية تشريعياً، وتوفر سيولة جارية تكفي الفاتورة التأمينية المتنامية، واستقلالية كاملة تجعل من أموال العمال خطاً أحمر لا يخضع لتقلبات السياسة إدارياً أو مالياً.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي
٥
٢
٣
الأكثر ملاءمة