د محمد العزة : هلوسة فوق جزيرة "الديمقراطية المعزولة "... المثقفون الجبناء .
د محمد العزة
حين تتحول الديمقراطية إلى ممارسة عمل روتيني ، مضبوط إيقاعها وفق خوارزميات " هندسة البرمجيات" محسوبة مقاساتها ، لا يعرف أصحابها طريقة الضغط على ازرار تشغيل ازرارها ، أو حتى الاستعداد للتدرب عليها ، تصبح نمط حياة نتظاهر بالتعايش معه ليس ، بل قد تبدو أقرب إلى شكل نماذج مكعبات اللوجو ، المصنوعة بواسطة ماكينات حزبية أو حاضنة شعبية يتم تغذيتها برموز و لغة ترسم ملامحها و تصيغ خطابتها السياسية، ليست ظاهرة هي نتاج المتواجدة عصارة عناصر فكرية أولية طبيعية ، المفترض فيها أن ترفع مستوى الوعي لدى الفرد بأهمية "الصحة السياسية"، و تكون الدافع له وأن تمنحه القدرة على ممارسة حقه السياسي بعفوية وصراحة ومنطق وموضوعية، مع احترام تعددية فكر الآخر وبرامجه وهويته تحت مظلة وطن واحد و دولة واحدة.
هنا يكون السؤال ما الذي تعيشه تلك الفئة التي تمارس الديمقراطية بهذا الشكل إذن؟
هل هي ديمقراطية حقيقية ، أم هلوسة سياسية أقنعوا أنفسهم بأنها واقع؟
ربما أضغاث أحلام مثالية ، تحولت مع الوقت إلى رؤية باتت قيود و أغلال مثالية، ظنوها اساور وحلي وضعها جزء كبير من أعضاء "النادي السياسي" حول أيديهم ، تعاملوا معها باعتبارها الحقيقة المطلقة ، رغم أن أغلب أعضاء هذا النادي يعيشون تفاصيل منفصلة عن حياة المواطن العربي، وعن واقعه اليومي فوق إسفلت شارعه الكاحت .
المشكلة أن بعض الساسة بنوا سجونهم بأيديهم، ثم وضعوا أنفسهم داخلها، و أغلقوا الأبواب، ورفعوا الجدران، وبعد ذلك جلسوا خلفها يتحدثون عن الحرية والديمقراطية من فوق أبراج عاجية.
كل واحد منهم بنى حول نفسه جداره العازل المناسب مع مستوى طبقته الاجتماعية ، فقيرة ام برجوازية ، وموقعه السياسي، ثم ترك نافذه محدودة الرؤية ، يستطيع منها فقط مشاهدة ما يعتقد أنه إنجاز، ويسمع من خلالها ما يظن أنه صوت المجتمع.
لكن لو تجرأ أحدهم ونظر إلى الأسفل قليلا ، أو إلى الأعلى قليلا ، فقد يكتشف المفاجأة:
إنه يعيش فوق جزيرة معزولة .
جزيرة جميلة، هادئة، نظيفة، فيها أوراق نقاش سياسية، وورش تدريب ، و جلسات عصف ذهني ، ومخرجات وتوصيات ندوات ، و نخب سياسية تتبادل الآراء كما تتبادل الكؤوس في حفلات النخبة.
لكن الجزيرة ليست المدينة.
والحديقة ليست الشارع.
و الورشة ليست المجتمع.
والتوصية ليست فعلا سياسيا .
هنا تحديدا تبدأ المشكلة.
وهذا ما يمنع كثيرا من هؤلاء من الإبحار نحو الواقع ، و ليس قلة القوارب، بل الخوف من مغادرة الجزيرة.
الخوف من مخالفة حسابات هندسة البرامج، والخوف من الاقتراب من أدوات لا يعرفون "كودات تشغيلها"، او لم يحاولوا أصلا تعلمها.
حتى انهم فقدوا مع الزمن ذاكرة التشغيل اليدوي لادوات السياسة المسؤولة عن حركة الجسد القادرة على التفاعل مع الشارع، أو صياغة الخطاب الذي يحفز العامة ، وفقدوا القدرة على الإصغاء إلى الناس خارج القاعات المكيفة، وفقدوا شيئا أخطر: القدرة على رؤية السياسة من زاوية المواطن لا من شرفة السياسي.
في الجزيرة، كل شيء يبدو منطقيا.
المعارضة معارضة مثالية.
والسلطة سلطة مثالية.
والخلاف خلاف راق لا يفسد للود قضية.
والحوار متحضر.
والبيانات مكتوبة بعناية.
والأوراق السياسية مليئة بالمصطلحات.
لكن لم يحاولوا يوما النزول إلى قاع المدينة.
هناك حيث عفاريت السياسة تحضر ، لا أحد يسألك عن مخرجات ورش العصف الذهني عندما يكون جيبه فارغا ، حاصرا ذهنه برغيف الخبز ، شاغلا تفكيره بأن يجد عذرا لغيره ممن ينفق الأموال هدرا ، غارقا محدثا أما بنعمة ربك فحدث .
هناك حيث المواطن لا يقرأ النظام والبرنامج السياسي بحثا عن المصطلحات ، هو معني بالبحث عن ترجمته و أثره في حياته.
هناك حيث البطالة ليست فقرة في برنامج انتخابي، والفقر ليس رقما تعكسه مؤشرات البورصة العالمية أو رموز تصنيفات المؤسسات الائتمانية ، والعدالة الاجتماعية ليست عنوانا لندوة.
هناك حيث السياسة في قاع المدينة تضج بصخب و ضوضاء وتناقضات ومصالح وصراعات التيارات المتنافسة لأجل مكاسبها على أنقاض الجمهور ، هناك حيث المخاوف و الآمال و الغضب وأسئلة بلا أجوبة جاهزة.
هناك فقط يمكن اكتشاف الفرق بين السياسي الذي يعرف السياسة، والسياسي الذي يعرف الكلام عنها.
لذلك، ناموا يا سادة فوق عشب الجزيرة.
اختفوا بين أزهار الحديقة الخلفية لمنازلها.
اختلفوا واحتفوا.
تبادلوا قرع الكؤوس نخب أوراق العمل و الرأي، ومخرجات ورش التدريب، ونتائج جلسات العصف الذهني.
لا بأس.
لكن لا تنسوا أنكم خارج هذه الجزيرة لستم أكثر من أشباه موصلات سياسية ، تنتظرون الدائرة المناسبة ، والتيار المناسب، والبرنامج المناسب، واللحظة المناسبة، حتى يعمل الجهاز.
والسياسة لا تعمل بهذه الطريقة.
السياسة ليست جهازا إلكترونيا ينتظر من يضغط على زر التشغيل.
السياسة حياة.
والحياة لا تعمل بالكتيبات الإرشادية وحدها.
لن تتحولوا إلى قوة سياسية فاعلة إلا عندما تغادرون غيمة الأحلام إلى خيمة الحقيقة، و تنزلون من منصة المراقبة إلى أرض الواقع، و تقبلون أن السياسة ليست امتيازا طبقيا ولا ناديا مغلقا ، بل احتكاك يومي مع الناس و مشكلاتهم و تناقضاتهم ، المولودة من رحم المعاناة .
فمن يريد أن يمارس السياسة عليه أن يتعلم أولا كيف يعيش بينهم .
ومن يريد أن يتحدث باسم الشارع عليه أن يعرف كيف يسمع صوته.
ومن يريد تغيير الواقع عليه أن يخرج من الجزيرة اولا .
فالديمقراطية التي لا تمارس من الشارع ليست ديمقراطية كاملة ،إنها مجرد برنامج سياسي جميل ، حبر على ورق ، محفوظ في جهاز لا يعرف أحد أين يوجد زر تشغيله.