اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حين يلتهم البرستيج سكينة البيوت الأردنية

حين يلتهم البرستيج سكينة البيوت الأردنية
أخبارنا :  

عمان - كامل النصيرات

جلس عزّام يطالع أضواء الصالة التي خبت بعد منتصف الليل، تاركة في الأرجاء بقايا ورد مستورد وأطباق حلوى فاخرة لم يُلمس نصفها. قبل ساعات، كانت الزغاريد تصدح، وابتسامات المهنئين تلتقطها عدسات الكاميرات الاحترافية في مشهد يُشبه حكايات الخيال. لكن مع خروج آخر المدعوين، لم يتبقَّ في جيب الشاب الثلاثيني سوى إشعار خصم بنكي، ورزمة كمبيالات وقّعها لتمويل تفاصيل لم يكن يرغب في معظمها.

اختار عزّام أرقى صالات عمّان، ورضخ لقائمة طلبات بدأت بـ «زفة خاصة» وانتهت بهدايا رمزية للمدعوين، مدفوعًا بعبارة واحدة ترددت على مسامعه طوال أشهر التحضير: «ما حدا أحسن من حدا، شو بدها تحكي الناس؟». استيقظ العروسان في اليوم التالي، لا على طمأنينة البدايات الجديدة، بل على وقع التزامات مالية تقتطع نصف راتبه للسنوات الخمس القادمة، لتبدأ أولى خطوات الحياة المشتركة تحت سقف مرهون لقلق السداد.

سلطة الواجهة وثقل «الواجب»

لم تعد الأعراس في الأردن مجرد إشهار للمودة ومباركة لرباط مقدس، بل تحولت تدريجيًا إلى استعراض طبقي مكشوف يمارس ضغطًا ناعمًا وخانقًا في آن واحد. من صالات الفنادق الفارهة في العاصمة إلى مزارع التأجير وأروقة القاعات في مختلف المحافظات، باتت تفاصيل الفرح تُقاس بمدى استعراضيتها وقدرتها على خطف الأنظار في الفضاء الرقمي، متجاوزة حدود المنطق الاقتصادي ومتطلبات الواقع المعيشي.

تتعدد المسميات وتتفرع المناسبات؛ فمن «جاهة» تتطلب حشودًا وحجوزات باذخة، إلى «سهرة الحناء» المبتكرة بطقوس مستحدثة ومكلفة، وصولًا إلى الحفل الرئيس وما يرافقه من متطلبات تصوير وإنتاج تضاهي العروض التلفزيونية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل وُلد من رحم تداخل معقد بين الموروث الاجتماعي الحريص على المظاهر، وسطوة النمط الاستهلاكي الحديث الذي رسخ فكرة مفادها أن قيمة الإنسان ومكانته العائلية تتحددان بحجم ما يُنفق في المناسبات العامة.

رؤية نفسية: قلق التقييم وفخ البحث عن الاستحسان

يرى الخبير النفسي جلال أبو حمدان أن الدافع وراء هذا الإنفاق المفرط يرتبط مباشرة بالهشاشة النفسية والخوف العميق من النبذ أو الدونية، موضحًا تحليله قائلًا: «إن ما يدفع الشباب والعائلات نحو هذا السلوك الاستنزافي هو ما نطلق عليه نفسيًا (قلق المكانة) والبحث القهري عن الاستحسان المجتمعي. يعيش الفرد تحت وطأة هاجس مستمر حول الصورة الذهنية التي يكونها الآخرون عنه؛ فتنقلب معادلة الفرح من تجربة عاطفية داخلية يسودها الامتنان والسكينة، إلى حالة استنفار عصبي لإرضاء أعين المتفرجين. هذا النمط يولّد مشاعر خوف دفينة من الحكم السلبي أو الشعور بالنقص مقارنة بالأقران، مما يدفع الشاب إلى اتخاذ قرارات مالية متهورة تُخدر قلقه اللحظي وتمنحه نشوة زائفة تدوم لساعات الاحتفال فقط».

ويضيف: «الخطورة تكمن في ما بعد انطفاء الأضواء؛ إذ سرعان ما يتبدد ذلك الشعور المؤقت بالأمان الاجتماعي ليحل مكانه اكتئاب ما بعد المناسبة، وتسلل مشاعر الندم والضغط النفسي المزمن نتيجة العجز عن مواجهة الديون المتراكمة، وهو ما ينسف الاستقرار النفسي للزوجين في أهم مراحل بنائهما المشترك».

رؤية مجتمعية: تحولات

المنظومة الجمعية وسلطة الصورة

من زاوية ميدانية، يضع الناشط الاجتماعي نبيل محمود يده على عمق الأزمة بوصفها تشوهًا طرأ على العلاقات الأهلية، ويشرح تداعياتها قائلًا: «المعضلة ليست فردية، بل هي نتاج ضغط بيئي عام استبدل قيم التراحم والتآزر بمفاهيم المنافسة البصرية والاستعراض الطبقي. تاريخيًا، كان الفرح الأردني مساحة تشاركية يتسابق فيها الأقارب والجيران لمد يد العون والتخفيف عن العريس، أما الآن فقد انقلبت المعادلة لتصبح المناسبة عبئًا يُثقل كاهل الجميع؛ فالعريس يغرق في الديون ليثبت كفاءته، والمدعوون يُرهقون أنفسهم بنفقات المظاهر والمجاملات التي تفوق طاقاتهم.

ويضيف: «مواقع التواصل الاجتماعي حوّلت الأعراس إلى ميادين مفتوحة للتنافس على ابتكار تفاصيل جديدة ومكلفة لا تمت لتقاليدنا بصلة، وأصبح الامتناع عن هذه المظاهر يُفسر ظلمًا على أنه تقصير بحق العروس أو استهانة بالحضور. نحن أمام واقع يتطلب وقفة صريحة من قيادات المجتمع المحلي ووجهائه لكسر هذا الطوق الخانق الذي بات يحرم أجيالًا كاملة من بهجة الزواج ويؤخر سن الارتباط بين الشباب».

تشريح الجذور: لماذا نصرّ على الاستنزاف؟

يعود استمرار هذه الظاهرة وتجذرها إلى جملة من العوامل البنيوية التي تعيد إنتاج السلوك ذاته:

* المقارنة الرقمية وسحر الشاشات: لم تعد المقارنات محصورة في الدائرة العائلية الضيقة، بل باتت مفتوحة على نماذج المشاهير والمؤثرين عبر المنصات الرقمية، مما رفع سقف التوقعات وفرض معايير شكلية مستوردة أصبحت تُعد من «الأساسيات».

* الحرج الاجتماعي وغياب الجرأة على التغيير: يخشى الكثير من الآباء والشباب اتخاذ خطوات كسر هذا النمط خوفًا من وصمهم بـ «البخل» أو «التقصير»، فيظل الجميع أسرى دائرة يدينونها سرًا ويمارسونها علنًا.

* غياب التثقيف المالي للشباب: يدخل الكثير من المقبلين على الزواج هذه المرحلة دون وعي كافٍ بإدارة الميزانيات وترتيب الأولويات، فتطغى الرغبة في الإبهار الآني على حسابات التخطيط للمستقبل.

خارطة طريق نحو استعادة العقلانية

مواجهة هذا النزيف المتواصل تتطلب عملًا تكامليًا يعيد التوازن للمنظومة المجتمعية:

* تفعيل وتعميم مواثيق الشرف الأهلية: تحويل المبادرات العشائرية والمدنية الهادفة إلى ضبط النفقات إلى التزامات حقيقية ومكتوبة، تشمل تقليص فترات الحفلات، وحصر الدعوات، والاستغناء عن المظاهر التكميلية كالتوزيعات والمواكب الممتدة، وجعل البساطة عنوانًا للشهامة والوعي لا مدعاة للحرج.

* إطلاق خطاب إعلامي وديني مضاد للبذخ: توجيه المنصات الإعلامية وخطب المساجد نحو تفكيك مفهوم «البرستيج»، وإبراز قيمة التيسير كفضيلة اجتماعية ودينية تحمي المجتمع من التفكك، والتركيز على تقديم نماذج لزيجات ناجحة اختارت البساطة ونجت من شراك المديونية.

* مبادرات مجتمعية للاحتفاء بالبساطة: تشجيع الفعاليات الأهلية والنوادي الشبابية على تكريم المبادرات الفردية التي تكسر هذا التقليد؛ فالنموذج العملي عندما يتبناه أفراد ذوو مكانة اجتماعية مرموقة يُسهم سريعًا في تحويل التيسير إلى «سلوك عصري» يُحتذى.

استعادة الفرح لجوهر معناه لا تتطلب سوى العودة إلى بساطة الألفة وصدق المشاعر؛ فالعائلة التي تُبنى على سعة التفاهم وطمأنينة البال أرسخ وأبقى من تلك التي تنطلق تحت أضواء باهرة تخفي وراءها ظلال الديون وأثقال القلق.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك