د. محمد بزبز الحياري : حين تتكلم الحجارة .. وتنبض فنًا واصالة ..
الجداريات ليست مجرد ألوان تُرصّ على جدار، ولا الفسيفساء مجرد قطع صغيرة تتجاور في انسجام؛ إنها حين تصنعها ايدي فنانين مبدعين، تصبح لغة بصرية تختزن ذاكرة الزمان والمكان، وتحول الحجر إلى حكاية، والجدار إلى شاهد على هوية مدينة وجزء من سردية وطن.
تشهد مدينة السلط موعدا قريبا لازاحة الستار عن عملين فنيين ضخمين، جدارية فسيفسائية تنفذها وزارة الثقافة وجدارية ديكورية تنفذها بلدية السلط الكبرى، وقد حالفني حسن الطالع والحظ الجيد ان اطلع واراقب عن كثب ولادة هاتين الجداريتين وان ٱشارك ولو برمزية بسيطة في حلقة من سلسلة الفن الجميل في مدينة السلط.
فمن جهة يجري العمل حاليا وبهمة عالية لاتمام الجدارية الفسيفسائية الاضخم من نوعها بالاردن بدعم من وزارة الثقافة لوضعها على مدخل مدينة السلط، اذ يبلغ طولها خمسين مترا بارتفاع مترين ونصف، وان الوزارة بدعمها وتبنيها لهذه الفسيفسائية اثبتت ان لديها رؤية لدعم الفن الأصيل، عندما وقفت خلف هذا العمل الخلاق، وأكدت أن استراتيجيتها لا تقتصر على رعاية الفنون داخل القاعات المغلقة فحسب، بل تمتد لتجميل الفضاء العام وتجعل من الفن جزءاً من الحياة اليومية للمواطن والزائر، وأن رعاية الوزارة لهذه الجدارية وتوفير الدعم اللازم لإكمالها يجسدان إدراكاً عميقاً لأهمية استثمار التراث الفني والفسيفسائي في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحويل المداخل الرئيسية للمدن إلى بوابات دافئة لاحتضان اهلها وزواراها والترحيب بهم، عندما تكون البوابات ليست مكاناً عابراً، بل هي الانطباع الاول، والتحية الاولى.
هذا العمل تقوم به فنانة يتجاوز ابداعها حدود اللوحة التقليدية؛ فهي لا ترسم عملاً فنياً فحسب، وإنما تشارك في صياغة الصورة التي ستحتفي المدينة بأبناءها وزوارها، وإن ضخامة الجدارية ليست في مساحتها وحدها، بل في الفكرة التي تحملها، والمسؤولية الجمالية والثقافية الملقاة على عاتق من تنفذها، فكل قطعة فسيفساء هي جزء من مشهد أكبر، وكل لون له مكانه ودلالته، وكل تفصيلة ستساهم في بناء رواية بصرية متكاملة وتمتد لتصبح جزء من ذاكرة المدينة والوطن.
ما يميز الفنانة المبدعة رائدة العواملة( وفريقها) أنها لا تنظر إلى الفسيفساء باعتبارها تقنية يدوية فحسب، بل فنًّا يحتاج إلى الصبر والدقة والخيال، والقدرة على رؤية الصورة الكبيرة من خلال التفاصيل الصغيرة، وهذا تحديداً ما يجعل مثل هذه الأعمال استثنائية ونابضة بالحياة، والأجمل في هذه الجدارية عندما تحتل مدخل المدينة، انها ستحمل رسالة بليغة، في أن المدن لا تُعرّف بشوارعها ومبانيها فقط، وإنما بما تختزنه من جمال وذاكرة وثقافة وإبداع، وهنا تستحق فنانتنا المبدعة كل تقدير وإشادة؛ لأنها اختارت أن تترك في مدينتها أثراً لا يمرّ عابرا وسريعاً، فالأعمال الفنية العظيمة لا تنتهي بانتهاء أصحابها من تنفيذها، بل ان حياتها الحقيقية تبدأ عندما تصبح جزءاً من ذاكرة الناس، يمرون بها كل يوم، ويلتقطون أمامها الصور، ويسألون عن قصتها وتفاصيلها ومعانيها، وستأتي اجيال واجيال يجدون فيها شيئاً من روح مدينتهم اصيلا وممتدا.
كل التحية لوزارة الثقافة والفنانة رائدة العواملة ولكل من ساهم بهذا العمل، الذين آمنوا بأن الفن يمكن أن يصنع فرقاً، وأن الجمال ليس ترفاً، وأن قطعة صغيرة من الفسيفساء يمكن أن تصبح، حين تجاور آلاف القطع الأخرى، جزءاً من هوية مدينة بأكملها، أنتم لا تصنعوا جدارية فحسب؛ أنتم تصنعوا ذاكرةً ستبقى معلقة على بوابة المدينة، وتمنحوا المكان وجهاً يليق به، وتتركوا ورائكم أثراً من الجمال لا يُقاس بحجم الجدارية، بل بما ستتركه في وجدان كل من يراها.
مشروع فني استثنائي، وعمل يستحق أن يُحتفى به؛ لأن المدن التي تحتفي بالفن، إنما تحتفي بإنسانها وذاكرتها ومستقبلها.
من جهة ٱخرى تقوم بلدية السلط الكبرى بتنفيذ جدارية ديكورية لا تقل ضخامة ومهابة وفي موقع آخر من مدخل المدينة، فقد استند تصميمها إلى توظيف الحجر الأصفر السلطي، والأعمدة والتيجان والزخارف الحجرية، والبلاط الملون ذي الزخارف الهندسية، المستوحى من نماذج العمارة التراثية في المدينة ضمن مشروع متكامل ومنسجم مع رؤية وزارة الثقافة بهدف تحسين المشهد البصري عند مدخل المدينة وتعزيز حضور الهوية السلطيّة في الفضاء العام، من خلال إعادة توظيف مفردات العمارة المحلية بأسلوب معاصر يحافظ على روح المكان ويواكب متطلبات التطوير الحضري.