سمير حمدان - بودابست : لماذا ننتظر الآخرين ليصنعوا لنا الشرق الأوسط الجديد ؟
* بعد قرن من سايكس وبيكو… ماذا صنعنا نحن ؟
ربما تبدأ المشكلة قبل الخريطة نفسها، فحتى تعبير «الشرق الأوسط» شاع في قاموس استراتيجي لم نصنعه نحن، ومنذ قرون عاشت المنطقة داخل مشاريع أكبر منها، نظمتها الدولة العثمانية ضمن منظومة مركزها إسطنبول، ثم جاء نابليون إلى مصر والشام محاولًا تغيير ميزان القوة لمصلحة فرنسا، وبعده اشتد التنافس الأوروبي وصولًا إلى سايكس وبيكو، ثم ظهرت رؤى مختلفة، من عوديد يينون إلى «الشرق الأوسط الجديد» لشمعون بيريز و«الشرق الأوسط الكبير» الأميركي .
ليست هذه مؤامرة واحدة، ولا يمكن مساواة هذه المشاريع ببعضها، لكن الخيط الذي يجمعها أن المنطقة كانت مرارًا جزءًا من تصور قوة أكبر لمصالحها، وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا، بعد قرون من سؤالنا ماذا يريد الآخرون منا، ماذا أردنا نحن لأنفسنا ؟
التاريخ يقول إننا حاولنا، فتأسست جامعة الدول العربية عام ١٩٤٥، وقامت الوحدة المصرية السورية عام ١٩٥٨، وأُقرت السوق العربية المشتركة عام ١٩٦٤، ثم جاء مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، لكن المشكلة لم تكن غياب الفكرة، بل العجز عن تحويلها إلى منظومة مصالح يصبح تفكيكها أغلى من استمرارها .
ولم تكن الحصيلة فشلًا كاملًا، فقد أثبت مجلس التعاون ومشاريع الربط والاستثمار أن التعاون ممكن، لكن النجاح بقي جزئيًا، ولم يتحول إلى نظام إقليمي يضاعف قوة دوله .
ولعدم توافر بيانات عربية سنوية شاملة أحدث من نهاية ٢٠٢٤، تكشف الأرقام المسافة بين الإمكان والواقع، فقد تجاوزت التجارة بين الدول العربية في السلع ٢٥٠ مليار دولار، بعد نموها ١٦٫٦ في المئة، لكنها لم تمثل سوى نحو ٩ في المئة من إجمالي التجارة العربية السلعية، وحين لا تتشابك المصانع والوظائف والاستثمارات، يصبح الخلاف السياسي رخيصًا، وحين تكون القطيعة رخيصة تصبح أسهل من التسوية .
وهنا الفارق بين الإقليم كخريطة والإقليم كقوة، الخريطة تجمع دولًا متجاورة، أما القوة فتحتاج إلى اقتصاد يجعل الانفصال مكلفًا، والمفارقة أن المنطقة تملك النفط والغاز ورأس المال والموانئ والموقع والأسواق، لكن الاقتصاد الريعي جعل شراء المنتج من العالم أسهل من إنتاجه مع الجار، فتحولت الحدود إلى حواجز أمام القوة .
وأوروبا لم تتجاوز حروبها لأنها اكتشفت الأخوة فجأة، بل لأنها بنت مؤسسات جعلت الصراع أكثر كلفة والتعاون أكثر ربحًا، بدأت بإرادة فرنسية ألمانية ثم بالفحم والصلب، قبل أن تنتقل من المصالح إلى السوق ثم الاتحاد، والدرس ليس تقليد أوروبا، بل أن المصالح المشتركة تستطيع فعل ما تعجز عنه الخطب .
وهنا تكمن المفارقة، ربما فشلت محاولات القرن الماضي لأنها أرادت من السياسة أن تصنع المصالح، بينما قد تنجح المحاولة القادمة إذا جعلت المصالح تعيد تشكيل السياسة .
وملامح ذلك موجودة، فالربط الكهربائي الخليجي مع العراق، باستثمار يقارب ٢٢٠ مليون دولار وقدرة أولية تبلغ ٥٠٠ ميغاواط، والسكك والموانئ والاستثمارات العابرة للحدود، يمكن أن تتحول إلى بنية إقليمية، فالشرق الأوسط الجديد قد لا يبدأ بزعيم يعلن الوحدة أو بقمة تصدر بيانًا، بل بكابل كهرباء وميناء ومنصة مدفوعات ومصنع ينتج عبر أكثر من دولة .
لكن الحديد والكهرباء لا يصنعان نهضة وحدهما، فالقطار يستطيع عبور الحدود، أما الإنسان والفكرة ورأس المال فتحتاج إلى قانون وقضاء تجاري موثوق ومؤسسات وثقة تسمح لها بالعبور، لأن التكامل لا يقاس بطول السكك وحدها، بل بما يتحرك فوقها وحولها .
والوقت يضيق، فخلال ربع القرن المقبل سيدخل نحو ٣٠٠ مليون شاب سوق العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي معادلة لا تستطيع أسواق مجزأة ودول منفردة استيعابها .
لذلك لا نحتاج إلى سايكس وبيكو عربيين ولا خرائط جديدة، بل إلى معنى جديد للقوة، أن يصبح نجاح الجار إضافة إلى قوتك، والمعرفة إنتاجًا، والثروة قدرة، والجغرافيا مصلحة مشتركة .
ليست المشكلة أن أميركا أو إسرائيل أو إيران أو تركيا تمتلك مشاريع للمنطقة، فالدول الجادة تفكر في مصالحها، المشكلة أن ننتظر منها مشروعًا يخدم مصالحنا .
فبعد قرون من العيش داخل تصورات الآخرين، حان أن نرسم خريطة مختلفة، لا للحدود هذه المرة، بل للمصالح .
فالمنطقة التي لا تصنع مشروعها لن تبقى بلا مشروع؛ ستعيش داخل مشروع صنعه الآخرون لها .