المعركة تنتقل إلى مراكز البيانات.. ميزة "إنفيديا" في الذكاء الاصطناعي تتجاوز المعالجات
قبل هذا الأسبوع، كانت القصة السائدة حول شركة إنفيديا تسير على النحو التالي: خلال السنوات الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي، كانت "إنفيديا" المصدر الأبرز لمعالجات الرسوميات المتطورة GPU، التي أصبحت شديدة الربحية مع توسع الصناعة واعتمادها المتزايد على قدرات الحوسبة.
لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت شركات الحوسبة السحابية العملاقة مثل "أمازون" و"غوغل" في تطوير شرائحها الخاصة، ما يعني أن "إنفيديا" لم تعد اللاعب الوحيد في السوق.
ودفع ذلك عددًا متزايدًا من المستثمرين إلى التساؤل عن مدى استدامة تفوق الشركة، بحسب تقرير نشره موقع "تك كرانش" واطلعت عليه "العربية Business".
وتبدو هذه الرواية منطقية، وهي صحيحة إلى حد كبير. فبعد أن ارتفعت القيمة السوقية لشركة إنفيديا بنحو 10 أضعاف بين بداية 2023 ومنتصف 2025، أصبحت أسهم الشركة تتحرك بوتيرة أكثر اعتدالًا خلال العام الماضي، وسط مخاوف متزايدة بشأن المنافسة في سوق معالجات GPU.
لكن رواية جديدة بدأت تتشكل منذ إعلان نتائج "إنفيديا" يوم الأربعاء، إذ بدأ المستثمرون يدركون أن ميزة الشركة في الذكاء الاصطناعي تتجاوز معالجات GPU بكثير.
ومع وصول احتياجات الذكاء الاصطناعي من الحوسبة إلى نطاق الغيغاوات، أصبحت إدارة وتنسيق هذه القدرات عملية أكثر تعقيدًا بصورة متزايدة.
وليس من المستغرب أن تكون "إنفيديا" قد طورت مجموعة من أكثر مكونات الأجهزة تقدمًا للتعامل مع هذه المهمة، ما يمنحها أفضلية كبيرة في الأنظمة المحيطة بمعالجات GPU، حتى مع اشتداد المنافسة في سوق المعالجات نفسها.
ورغم الحديث المتكرر عن تحول الحوسبة إلى سلعة متاحة للجميع، لا يزال تشغيل مركز بيانات ضخم بكفاءة قصوى أمرًا بالغ الصعوبة، ومع توسع عمليات النشر وزيادة سرعتها، تزداد هذه المشكلة تعقيدًا.
من رف إلى رف.. "إنفيديا" تبني ما هو أبعد من GPU
يمكن ملاحظة ذلك بمجرد النظر إلى تفاصيل المنتجات التي تبيعها "إنفيديا" حاليًا.
وتطرح الشركة في الوقت الراهن معمارية Vera Rubin، التي تجمع معالج Rubin GPU مع مجموعة من المكونات الأخرى، من بينها Vera CPU ومسرّع الاستدلال Groq 3 LPX، إلى جانب رفوف مماثلة مخصصة للتخزين والشبكات.
وخلال الأسبوع الماضي، تحدثت "إنفيديا" عن طبيعة عمل هذه الأنظمة، وكانت النتيجة لافتة: فمثل معالج Rubin GPU نفسه، صُممت هذه الأنظمة لأغراض شديدة التخصص، لكنها لا تركز على معالجة الرموز التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تهدف إلى ضمان عمل كل ما يحيط بمعالج GPU بأعلى كفاءة ممكنة.
وإذا كان معالج GPU هو المحرك، فإن هذه المكونات تمثل بقية السيارة.
ويركز Vera CPU بصورة خاصة على مشكلة تنسيق البيانات وإدارتها.
وقال جيسون هاردي، نائب رئيس "إنفيديا" لتكنولوجيا التخزين، إن أهمية Vera ترجع إلى أن هناك حدًا لكمية الذاكرة التي يمكن وضعها داخل خادم واحد أو أي منصة حوسبة منفردة.
ومع توسع قدرة مراكز البيانات على معالجة البيانات، ازدادت سعة الذاكرة أيضًا، وهو ما ساعد شركات مثل "ميكرون" على تحقيق مكاسب كبيرة خلال الموجة الثانية من طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
لكن إيصال هذه البيانات إلى معالج GPU في اللحظة المناسبة ليس مهمة سهلة. ومع سعي الشركات إلى خفض استهلاك الطاقة لكل رمز تتم معالجته، أصبحت إدارة حركة البيانات وتوجيهها عنصرًا بالغ الأهمية.
وقال هاردي إن الاختبارات أظهرت تحسنًا يصل إلى 3 أضعاف في بعض العمليات عندما يتولى Vera CPU تسريعها، ما يسمح باستخدام وحدات التخزين الفلاشية بكامل إمكاناتها دون التسبب في اختناقات تحد من الأداء.
"OpenAI" تتبع نهجًا مختلفًا.. لكن الهدف واحد
ولا تقتصر مشكلة إدارة البيانات على "إنفيديا". فعندما طورت "OpenAI" شريحة Jalapeño، كان أحد أهدافها الرئيسية هو تجنب هذه التحديات من الأساس عبر تقليل كمية البيانات التي تحتاج إلى الانتقال بين المكونات.
وأوضحت "OpenAI" أن تصميم Jalapeño يهدف إلى تقليل حركة البيانات وتأخيرات الاتصال، من خلال إبقاء عبء العمل بأكمله داخل نظام مترابط واحد، ما يقلل عمليات نقل البيانات ويساعد على إبقاء الطلب كاملًا سريعًا وفعالًا من البداية إلى النهاية.
ويختلف هذا النهج عن استراتيجية "إنفيديا"، إذ تحاول "OpenAI" تجنب نقل البيانات قدر الإمكان من خلال تنفيذ عبء العمل داخل شريحة متكاملة واحدة.
لكن المنطق الأساسي في الحالتين واحد: رفع الكفاءة من خلال إدارة حركة البيانات بصورة أكثر ذكاءً بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة عدد دورات المعالجة.
وهذا يفتح بدوره طبقة جديدة بالكامل من البنية التحتية يمكن للشركات التنافس عليها.
المنافسة لم تعد على أفضل GPU فقط
لا تعني هذه التطورات أن "إنفيديا" ضمنت الفوز في مجال تنسيق البيانات وإدارة البنية التحتية.
الشركة ستضطر إلى مواجهة منافسة من شركات تصنيع الشرائح وشركات الحوسبة السحابية العملاقة، تمامًا كما يحدث في سوق GPU.
لكن طبيعة المنافسة بدأت تنتقل إلى مستوى جديد. فامتلاك معالج GPU منافس لم يعد العامل الوحيد الحاسم. والأهم أصبح القدرة على جعل النظام بأكمله يعمل بكفاءة عالية، بدءًا من الذاكرة والتخزين، مرورًا بالشبكات ونقل البيانات، ووصولًا إلى وحدات المعالجة ومسرّعات الذكاء الاصطناعي.
وهنا تحديدًا قد تكمن إحدى أكبر نقاط قوة "إنفيديا" في المرحلة المقبلة: ليس فقط في امتلاك أفضل معالج للذكاء الاصطناعي، بل في بناء المنظومة الكاملة التي تجعل هذه المعالجات تعمل بأقصى طاقتها.