253 طلب مساعدة قانونية ترفع الثقة بالنظام القضائي
سماح بيبرس
عمان- تعكس أعداد طلبات المساعدة القانونية التي تستقبلها وزارة العدل استمرار الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية التي قد تحول دون قدرة بعض الأشخاص على توكيل محامين للدفاع عنهم، في وقت ينظر فيه قانونيون وحقوقيون إلى المساعدة القانونية باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لضمان الوصول إلى العدالة وتوفير متطلبات المحاكمة العادلة.
واستقبلت وزارة العدل خلال شهر تموز (يوليو) الماضي 253 طلب مساعدة قانونية، مقابل 291 طلباً خلال حزيران (يونيو)، فيما بلغ عدد الطلبات التي استقبلتها خلال الربع الأول من العام الحالي، أي خلال الشهور الثلاثة الأولى، 742 طلباً.
وبحسب قانونيين، فإن أهمية المساعدة القانونية لا تتوقف عند توفير محام لمن لا يستطيع تحمل تكاليفه، وإنما تمتد إلى تمكين الأشخاص من الوصول إلى العدالة، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة لهم، بما ينسجم مع متطلبات حماية حقوق الإنسان.
ويرون أن التوسع في تقديم المساعدة القانونية من شأنه أن يرفع مستوى الثقة بالنظام القضائي، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الأقل قدرة على تحمل تكاليف التقاضي، كما يسهم في زيادة الوعي بالحقوق والواجبات القانونية، وبالتالي تعزيز الالتزام بالقانون والحد من السلوكيات المخالفة له، فضلاً عن انعكاس ذلك على سير إجراءات التقاضي واحترام الأفراد للقانون.
ولا تعد المساعدة القانونية مفهوماً حديثاً في التشريعات الأردنية، إذ وردت أحكام تتعلق بها في قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961، قبل أن يجري التوسع في تنظيمها خلال الأعوام الماضية، وصولاً إلى إقرار نظام المساعدة القانونية لسنة 2018، وما طرأ عليه لاحقاً من تعديلات.
ويكتسب هذا التوسع أهمية إضافية في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في قدرة الأفراد على الوصول إلى القضاء؛ إذ إن الحق في الدفاع قد يصبح، بالنسبة إلى بعض الأشخاص، مرتبطاً عملياً بقدرتهم المالية على توكيل محام، وهو ما تسعى منظومة المساعدة القانونية إلى معالجته من خلال توفير التمثيل القانوني لمن تنطبق عليهم الشروط المحددة في التشريعات.
وتعرّف "المساعدة القانونية" بأنها التمثيل القانوني أمام دوائر النيابة العامة والمحاكم النظامية ومحكمة الجنايات الكبرى، وفقاً لأحكام نظام المساعدة القانونية المقر في العام 2018، والصادر بمقتضى المادة (208) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961.
معايير محددة للاستحقاق
ووضع النظام مجموعة من المعايير التي تحدد الأشخاص المستحقين للمساعدة القانونية، وربط الاستفادة منها بالحالة الاقتصادية لطالبها، إلى جانب طبيعة الجريمة والسجل الجرمي.
وتتضمن المادة (3) من النظام مجموعة معايير يجري الاعتماد عليها لغايات استحقاق المساعدة القانونية، وتتمثل بـ: "ألا يتجاوز الدخل الإجمالي الشهري لأسرة طالب المساعدة القانونية 400 دينار، وألا يمتلك طالبها أي أموال غير منقولة، باستثناء بيت السكن، أو أموال منقولة، باستثناء الدخل الشهري المنصوص عليه في الفقرة السابقة، وأن يكون نوع الجريمة جناية، وليست له أسبقية جرمية بحكم قضائي قطعي بجناية أو بجنحة".
كما نصت على أن "للوزير في حالات خاصة ومبررة، الموافقة على تقديم المساعدة القانونية لمن يمتلك أموالا غير منقولة".
وتظهر هذه المعايير أن النظام يستهدف بصورة أساسية الأشخاص الذين تحول أوضاعهم الاقتصادية دون قدرتهم على تحمل تكلفة التمثيل القانوني، مع إبقاء مساحة للتعامل مع الحالات الخاصة التي قد لا تنطبق عليها المعايير بصورة حرفية، لكنها تستدعي تقديم المساعدة.
أولوية للأحداث والمسنين والنساء
ولم يقتصر النظام على تحديد شروط الاستحقاق، بل وضع أولويات عند منح المساعدة القانونية في الحالات التي تتعدد فيها الطلبات، آخذاً بعين الاعتبار طبيعة الفئة التي ينتمي إليها طالب المساعدة، والعقوبة المقررة للجناية، وحجم الأسرة.
ونصت المادة (4) من النظام نفسه المعدل في 2022، على اتباع الأسس والأولويات عند منح المساعدة القانونية لطالبيها، وهي بحسب "الفئة"، تعطي الأولوية للأحداث، فالمسنين، والنساء، والأشخاص ذوي الإعاقة، وأي فئة أخرى يقررها الوزير، إلى جانب أن الأولوية تكون بعد ذلك بحسب "مدة العقوبة في الجناية، بحيث تمنح الأولوية للجناية التي تكون مدة عقوبتها أطول"، وأخيراً "بحسب عدد أفراد الأسرة، بحيث تمنح الأولوية لطالب المساعدة القانونية ضمن الأسرة ذات العدد الأكثر".
ويعكس ترتيب هذه الأولويات توجهاً نحو منح الفئات الأكثر حاجة أو هشاشة أولوية في الاستفادة من الخدمة، إلى جانب مراعاة خطورة القضية والآثار التي يمكن أن تترتب على الحكم فيها.
مدد زمنية للبت في الطلب
كما حدد النظام إجراءات واضحة ومدداً زمنية للتعامل مع طلب المساعدة القانونية، بما يمنع بقاء الطلبات دون قرار لفترات طويلة، وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بإجراءات دعوى جزائية قد تكون قائمة بالفعل أمام النيابة العامة أو المحكمة.
وجاء في المادة (6) من النظام: "أ- تقدم طلبات المساعدة القانونية وفقا للنموذج المعتمد من الوزير وتحال إلى المديرية خلال يومي عمل من تاريخ تقديمها لاتخاذ الإجراءات التالية: التأكد من استيفاء الطلب لكافة البيانات والشروط وتسجيله في السجل الخاص بذلك في المديرية، دراسة الطلب والتحقق من انطباق المعايير والأسس والشروط التي يتطلبها هذا النظام في طالب المساعدة القانونية، التوصية للوزير بقبول الطلب أو رفضه خلال خمسة أيام عمل من تاريخ وروده إليها".
وبحسب المادة ذاتها، "يتخذ الوزير قراره بقبول طلب المساعدة القانونية أو رفضه خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخ رفع المديرية التوصية إليه".
وفي حال قبول الطلب، حدد النظام أكثر من آلية لتوفير المحامي، بما يتيح الاستفادة من الصندوق المخصص للمساعدة القانونية، أو التنسيق مع نقابة المحامين، أو الاستعانة بالمحامين المتطوعين.
وجاء في الفقرة (ج) أنه "في حال قبول طلب المساعدة القانونية للوزير: دفع النفقات من الصندوق وتكليف محام من القائمة المعدة لهذه الغاية بالتنسيق مع نقابة المحامين، الطلب من نقابة المحامين تقديم المساعدة القانونية لطالبها بشكل كامل وفقا لأحكام التشريعات النافذة، تكليف محام لتقديم المساعدة القانونية من قائمة المحامين المتطوعين المعدة من المديرية".
المساعدة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة
من جهته، قال المحامي أحمد البطمة إن المساعدة القانونية التي توفرها الدولة تمثل حقاً مهماً يرتبط بحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، إذ إن تمتع الشخص بحقوقه القانونية لا يكتمل إذا لم تكن لديه القدرة على الدفاع عن نفسه أو الحصول على تمثيل قانوني عندما يحتاج إليه.
وبين البطمة أن المساعدة القانونية تأخذ أكثر من صورة؛ فهناك حالات يكون فيها وجود المحامي ضرورياً بحكم طبيعة القضية والعقوبة المقررة لها، ولا سيما في القضايا الجنائية التي يجب فيها توفير محام للمتهم غير القادر على تعيينه، فيما توجد حالات أخرى يمكن فيها توفير المساعدة القانونية وفق الشروط والإجراءات التي حددتها التشريعات، ومن خلال التنسيق بين وزارة العدل ونقابة المحامين لاختيار المحامي وتقديم التمثيل القانوني لطالب المساعدة.
وأكد أن أهمية هذه الخدمة تبرز بصورة أكبر بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون المعرفة الكافية بالإجراءات القانونية والقضائية، ولا يستطيعون في الوقت ذاته تحمل كلفة توكيل محام، إذ قد ينعكس غياب التمثيل القانوني على قدرتهم على معرفة حقوقهم أو تقديم دفاعهم بالصورة التي يكفلها القانون.
وأشار إلى أن تعزيز المساعدة القانونية والتوسع في الوصول إليها يسهمان في تكريس مبدأ المساواة أمام القضاء؛ لأن القدرة المالية لا ينبغي أن تكون عاملاً يحول دون حصول الشخص على حقه في الدفاع أو الاستفادة من الضمانات التي وفرها القانون.
المادة 208.. الأساس التشريعي
ويستند نظام المساعدة القانونية إلى المادة (208) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961، التي وضعت أساساً تشريعياً لضمان وجود محام في عدد من الجنايات، كما فتحت المجال أمام توفير المساعدة القانونية في حالات أخرى.
وتنص المادة (208) من قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 على "أنه في الجنايات التي يعاقب عليها بالإعدام، أو الأشغال المؤبدة، أو الاعتقال المؤبد، أو الأشغال المؤقتة مدة عشر سنوات فأكثر، يتعين حضور محام للمتهم في كل جلسة محاكمة، وإذا أعلم المتهم المحكمة بانتهاء علاقته بمحاميه، ويتعذر تعيين محام بديل لصعوبة أحواله المادية، فيتولى رئيس هيئة المحكمة تعيين محام له، ويدفع للمحامي الذي عين بمقتضى هذه الفقرة أتعابه، وفقاً لنظام يصدر لهذه الغاية".
وإذا "تغيب المحامي الذي اختاره المتهم، أو الذي عينه المدعي العام، أو رئيس الهيئة عن حضور إحدى جلسات المحاكمة دون عذر تقبله المحكمة، فعليها تعيين محام آخر لتمثيل المتهم لمتابعة إجراءات المحاكمة المقررة لتلك الجلسة".
كما نصت على "أنّه في الجنايات التي يعاقب عليها بالأشغال المؤقتة مدة تقل عن عشر سنوات، يجوز للمدعي العام أو المحكمة المختصة في أي مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية، إحالة طلب المتهم إلى وزير العدل بالتنسيق مع نقابة المحامين، لتقديم المساعدة القانونية له أمام المحكمة، إذا وجدت مسوغات لذلك".
ــ الغد