الصبيحي : ماذا لدينا من حلول بديلة؟
لجنة ضبط جودة القرارات التأمينية: ضرورة أم إرباك وتداخل؟
بدايةً أحب أن أؤكد بأنني مع الاستفادة، بل والاستفادة القصوى من خبرات الزملاء المتقاعدين من مؤسسة الضمان، وفي المواقع التي يمكن أن يفيدوا فيها مؤسستهم وجمهورها، ولكنني اتساءل ببراءة تامة، ما الجدوى وما المشروعية القانونية من قيام إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي بتشكيل "لجنة لضبط جودة قرارات اللجان التأمينية الأولية والاستئنافية" في ظل وجود هيكل تأميني قانوني واضح ومسار اعتراض راسخ أرساه قانون الضمان الاجتماعي عبر سنوات طويلة؛ متمثلاً في لجان تسوية الحقوق الأولية، ثم اللجنة الاستئنافية، ثم لجنة شؤون الضمان كأعلى لجنة تأمينية قانونية في المؤسسة؟!
في قراءتي لهذا المنحى الجديد من المنظور القانوني والإداري ومعايير الحوكمة الرشيدة، أرى أن هناك جملة من الملاحظات والتبعات التنظيمية والقانونية للموضوع على النحو التالي:
أولاِ: الانتقاص من استقلالية ومسؤولية اللجان القانونية: حيث منحت التشريعات لجان تسوية الحقوق واللجان الاستئنافية اختصاصات محددة وصلاحيات شبه قضائية للبت في حقوق المؤمن عليهم والمنشآت. وإخضاع هذه القرارات للمراجعة أو التقييم من قبل لجنة إدارية تأمينية أخرى، تحت مسمى "ضبط جودة قراراتها" يُشكل مساساً حقيقياً بحياد واستقلالية أعضاء هذه اللجان ومسؤولياتهم واستقلال قناعاتهم الفنية والقانونية التأمينية، وربما التقليل أو التشكيك بكفاءتهم.
ثانياً: ازدواجية الإجراءات وإطالة أمد البت بقضايا المؤمّن عليهم والمنشآت: حيث أن تشكيل أطر وهياكل إدارية موازية لمراجعة القرارات يُثقل كاهل الجهاز التنفيذي ويُؤدي إلى بيروقراطية ثقيلة زائدة، ممّا يطيل أمد إنجاز معاملات المواطنين والمنشآت، وهو ما يتنافى مع مبادئ التبسيط والسرعة في إيصال الحقوق التأمينية لأصحابها.
ثالثاً: الخلط بين التدقيق الإداري والعمل شبه القضائي: مفهوم "ضبط الجودة" في الإدارة يُعنى عادةً باستيفاء النماذج، واكتمال الوثائق، والالتزام بالأطر الزمنية ومؤشرات الأداء (KPIs). أما تقييم صحة تطبيق النص القانوني أو تفسير أحكام القانون، فهو صلب عمل اللجان الحقوقية التأمينية والاعتراضية من أوليّة واستئنافية وعليا ( لجنة شؤون الضمان) التي رسم القانون مسارها حصراً وبوضوح تام.
رابعاً: إرباك وتشويش وتشكيك بالمركز القانوني للقرار: إن وجود "لجنة جودة" تبدي رأياً أو تُعدّل أو تُلغي أو تُعطّل قراراً صادراً عن لجنة قانونية مُشكّلة بموجب أحكام القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه، يُوجد حالة من الإرباك القانوني، ويفتح الباب أمام الطعن في مشروعية الإجراءات برمتها أمام القضاء الإداري.
ما الحل لتجويد قرارات اللجان:
أرى أن البديل الحقيقي والفعّال لتجويد القرارات التأمينية لا يكون بابتداع لجان موازية تُربك المسار التأميني، بل من خلال:
١) حُسْن اختيار أعضاء اللجان التأمينية، بحيث يكونوا من أكفأ وأنزه الموظفين، ولدى المؤسسة الكثير من الزميلات والزملاء الموثوق بكفاءتهم ونزاهتهم وحصافتهم وحرصهم على حقوق المؤمّن عليهم وفي نفس الوقت حرصهم على حقوق مؤسسة الضمان.
٢) تعزيز أدوات العمل الفنية: عبر أتمتة الإجراءات والربط الإلكتروني لتلافي الأخطاء البشرية، وتوحيد المبادئ التأمينية والتعليمات والقرارات التفسيرية، وتكثيف برامج التدريب والتأهيل المستمر، وترك مسار الاعتراض يسير وفق منظومته التشريعية الأصولية.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي